تأملاتٌ في الواقع الطفولي ..
طفلٌ في السابعة من عمره ، يجلس أمام منزله وحيداً ، يمسك بملقاطٍ حديدي يقلب به الفحم المشتعل فوق موقد الغاز الصغير ، كان يرتدي سترةً قطنيةً طويلة الأكمام ليقيَ نفسه من الهواء البارد تلك الليلة ، كان شررُ النارِ يتطاير هنا وهناك .. بينما يستمر هو بمراقبة الجمر و اللعب به .
كنت أقود سيارتي و برفقتي خالي عندما رأينا ذلك الطفل ، لم يرقنا منظره وحيداً و هو يلعب بالنار ، فطلب مني خالي الرجوع للتأكد من سلامته ..
توقفنا عند منزل الطفل ، و سألناه عن سبب بقاءه وحيداً في الخارج ، و عما إذا كان والده موجوداً .. فأجاب بكل براءةٍ بأن والده في عمله ، و كل الموجودين في المنزل هم “الحريم” حسب تعبيره ، و أنه يجلس منتبهاً للفحم المشتعل بطلبٍ من خاله الذي تركه و خرج لإنهاء بعض الأعمال ريثما يجهز الجمر ..
قام خالي بقرع الجرس وإبلاغ أهل الطفل عن جلوسهِ وحيداً في الخارج ، و عن خطورة بقاءه بالقرب من الجمر و اللعب به .. طلبنا بعد ذلك من الطفل الدخول إلى البيت ، فلم يكن منه إلا أن قال :
“لا !! لازم انتبه للفحم علشان بيعسلون!!“
إذا ما أغفلنا جانب الشيشة في الموضوع ، فالطفل كان معرضاً بشكلٍ كبيرٍ إلى الإصابةِ بالحروق ، وذلك بسببِ توفر العوامل الضرورية .. الهواء و النار و السترةُ القطنية التي كانت تغطي يده إلى أصابعه ، فأي شرارةٍ تصيبه كانت ستنشر النار بكل تأكيدٍ في ثيابه .
أما إذا عدنا لجانب الشيشة في الموضوع ، فلست بصدد الحديث عن أضرارها أو آثارها السلبية ، و لن أحاول إنكار ذلك على المداومين عليهما ، لكن جل اهتمامي هنا هو قتل براءة الأطفال بأفعال طائشة كتلك ..
لم يُقدِم خالُ ذلك الطفل على تعريض ابن اخته لخطر الحروق فحسب ، و إنما انتهك صفاء روحه و براءته ، فقد كان جواب الطفل بأن انتباهه للجمر ضروريٌ لمساعدتهم على إعداد الشيشة فيما بعد ، أي أن الطفل اعتاد مشاهدتهم و الجلوس معهم حين يدخنون تلك الأداة .
مؤكدٌ أن خال الطفل لا يعي مدى تأثيره السلبي على ابن أخته من الناحيتين الصحيةِ و النفسيةِ ، لأن “الخال والدٌ” كما يقول المثل .. وإلا فلا يُعقَلُ أن يُقدِمَ والدٌ واعٍ على الإِضرار بولده بهذا الشكل .
فالضرر من الناحيةِ الصحيةِ ، يكمن في اعتبار الطفل مدخناً سلبياً ، و هذا يعني أنه مستنشقٌ لدخان التبغ المنفوث من قبلِ المدخنين ، و لا يخفى ذلك إذا ما عرفنا أن هذا الدخان يحتوي على موادٍ ذاتِ درجةٍ عاليةٍ من السُميَّة . أما الضرر من الناحية النفسية فيكمن في نشأةِ الطفل على مايعتادُ عليه ، أي أن فطرة الطفل من حيث التفريق بين الصواب والخطأ تتزعزع نتيجةً لرؤية مظاهر المدخنين و التعود عليهم ..
و قد يحصل تأثيرٌ مماثلٌ أيضاً عندما يرسل الأب طفله الصغير لشراء علبة سجائر ، لأنه يُوَلِّدُ في الطفل حب الفضول و تجربة تلك السجائر ، و عندها لن يستطيع منعه منها أو تأنيبه عليها ، لأن الوالد ببساطة يكون غير مؤهلٍ لذلك :
لا تَنهَ عَن خُلُقٍ و تأتي مثله … عَارٌ عَلَيكَ إِذا فَعَلتَ عَظِيمُ
تنشئة الطفل على العادات السيئة لا يمكن أن ينتج عنها إلا نفس العادات ، هذا إن لم تتولد عاداتٌ أسوأ منها مع الزمن ، فتقليد الكبار سيظل سمةً يتحفنا بها صغار السن ، و تجربة الأشياء بالنسبة لهم هي مغامرة بحد ذاتها ، و في معظم الحالات نجد الأطفال غير واعين لما ستحمله لهم نتائج تجاربهم تلك .
و من جهةٍ أخرى ، قد يكون الكبار ذاتهم غافلين عن مدى تأثير عاداتهم سلباً على الصغار ، فقد تكون تلك العادات سلوكيةً كعدم احترام القوانين المرورية أو إطلاق الألفاظ النابية أو عدم احترام النظام أو الآخرين ، وقد يكون بعضها دينيةً كالتأخر عن أو ترك أداء الصلاة أو الإستخفاف بالطهارة مثلاً .
كل شخصٍ يحمل في ذاته طاقةً إبداعيةً بدرجةٍ معينة ، و كذلك الأطفال أيضاً ، فاستثمار تلك الطاقة الإبداعية ضروري لبناء شخصية الطفل من ناحية ، و تنمية القدرة الفكرية من ناحيةٍ أخرى ، مما يؤدي بدوره إلى حثه على البحث عن سبلٍ لتطوير الحياة و الرقي فيما بعد .
و بالرغم من توفر عوامل كثيرةٍ لدينا في هذا العصر ، منها العوامل التقنية و العلمية و المعرفية ، إلا أننا لا نزال قابعين تحت مظلة العالم الثالث ، و لا نزال مستهلكين لجميع العدد التقنية المتقدمة كالإنترنت و الهاتف النقال و غيرها ، و استثمار ذلك في اللهو وإضاعة الوقت ، ربما لأننا سنظل مُركزِين إبداعاتنا في إيجاد الحد السيء للعلم و استغلاله بدلاً من الحد الجيد و استثماره .
فالطفل في قصتنا هو ضحيةٌ لاستهتار خاله ، و بالنظر إلى موقفه لا يمكن أن أرى أي عذر يبرر ما اقترفه في حق ابن اخته ، و لا أعتقد أن الطفل سينمي حبه للكيمياء مثلاً حين يلعب بالجمر ، أو سيغدو طبيباً يخترع علاجاً لداء التدخين مثلاً .. هذا و الله أعلم ..
هي إذن دعوةٌ لإعادةِ النظرِ في سلوكياتنا و توابعها ، فأطفال اليوم هم رجال و نساء المستقبل ، لنستثمر طاقاتهم اليوم لنحصد عطاءاتهم فيما بعد ، و لنساعدهم في بناء مستقبلٍ أفضل مما نحن فيه ، و إنشاء بيئةٍ أنقى من هذه البيئة ، و إعداد أجيالٍ تفخر بها البشرية .. عَلَّنَا نعود و نساعد في تنمية البشرية من جديد كما كان العرب الأولون سابقاً ..