الشباب – المستقبل .. الحلقة الأضعف!!

الكاتب : وسام في 16 نوفمبر 2009

أوجد حل المسألة الحسابية التالية :

المعطيات :

عبدالله (*) موظفٌ يعمل في إحدى الشركات بدوامٍ يبدأ من الساعة السابعة صباحاً و حتى الخامسة عصراً من السبت إلى الأربعاء ، و من الساعة السابعة صباحاً إلى الواحدة ظهراً يوم الخميس ، و يتقاضى راتباً شهرياً يبلغ 10 آلاف ريالٍ (متضمنةً جميع البدلات) .

عبدالله شابٌ جامعي في العقد الثالث من عمره متزوج و أبٌ لطفلين أعمارهم بين السنة و الثلاث سنوات ، يسكن في شقةٍ إيجارها السنوي 28 ألف ريالٍ تدفع على مرحلتين ، لذا يتوجب عليه ادخار مبلغ شهري مقداره 2334 ريالاً تقريباً للتمكن من دفع إيجار شقته في مواعيده المحددة .

يدفع عبدالله قسطاً شهرياً لسيارته يبلغ 1500 ريالٍ و بقي له ثلاث سنواتٍ ليكمل باقي الأقساط ، كما ينفقُ ما معدله 3000 ريال لمستلزمات الحياة الأخرى في الوقت الراهن !!.

يخطط عبدالله إلى شراء قطعة أرضٍ ليبني فيها بيت أحلامه أو بيت العمر كما يحلو للبعض تسميته ، هو يستطيع اقتراض مبلغٍ لا يتجاوز 130 ألف ريالٍ كتمويلٍ شخصي من البنك يُدفَعُ على خمس سنوات ، إلا أن هذا المبلغ غير كافٍ لشراء أي شيء يطلق عليه اسم أرض ، فأسعار قطع الأراضي في مدينته تتراوح بين 400 ألفٍ إلى المليون ريال .

و بالنظر إلى نسبة ارتفاع الأسعار خلال الخمس سنواتٍ الماضية و التي بلغت 200 % تقريباً ، فإن أي تأخرٍ في الشراء ليس في صالحه ، كما لا يوجد ما يضمن له بقاء مبلغ إيجاره على هذا الحال .

المطلوب :

إذا افترضنا أن عبدالله يحصل على زيادة سنوية تبلغ 5% من راتبه ، احسب في أي جيل من أجيال شجرة عائلته سيتمكن من شراء قطعة أرض ، و في أي جيل ستتمكن العائلة من بناء منزل العمر على تلك القطعة ؟

***********************************

هناك حالاتٌ كثيرةٌ أشد بؤساً من حالة عبدالله تعيش بيننا كل يوم ، فالبعض بالكاد يحصل على ما يسد به رمق عائلته بدخل شهري ثابت لا يتجاوز 1500 ريال ، و يعمل في أكثر من عملٍ منذ قيامه فجراً و حتى ساعاتٍ متأخرة من الليل ، يُضَحِّي بوقته مع عائلته طمعاً في توفير سبل الحياة لهم و الإبتعاد عن سؤال الغير ، إلا أن اختيار هذه الحالة هو مجرد افتراضٍ يدعو للجدل و البحث في المفارقات ، فراتب عبدالله و إن كان ممتازاً في نظر البعض ، إلا أنه غير كافٍ لحصوله على ضمان العيش الكريم له و لأفراد عائلته .

نحن إذن لا نبالغ إن أغرقنا في التشاؤم لوهلة ، فالواقع المعيشي بالنسبة للكثيرين لا يعدو كونه واقعاً محبطاً مثيراً للبؤس ، فالشباب في عصرنا الحاضر يعيشون تحت ضغطٍ كبيرٍ يبدأ بمسؤولية الزواج و تكوين العائلة ، ثم توفير الإحتياجات الأساسية لهم من اللباس و الطعام و المسكن ، وصولاً إلى تطويع أنفسهم للعيش تحت ظروف التقلبات الإقتصادية للحياة من جهة ، و بين البحث عن ذواتهم و تطويرها من جهة أخرى ، و التي قد تُنسى في أغلب الحالات .

أمثلةٌ حياتيةٌ كثيرةٌ تدعونا إلى التأمل في ما سيؤول إليه مستقبل أبناءنا ، فأصحاب العقارات السكنية هم تجارٌ في الأساس ، و لن يدخر أغلبهم جهداً في رفع مبالغ الإيجارات كلما سنحت لهم الفرصة ، و أصحاب الأراضي يضعون أرقاماً فلكية بالنسبة للكثيرين حين عرض أراضيهم للبيع ، و أصحاب البيوت قد وجدوا بالفعل مكاناً لهم في هذا المضمار ليعرضوا بيوتهم بأرقامٍ لا تنمتي إلى {ح} .

إيراد المثال أعلاه عن السكن ما هو إلا نموذج من نماذج العقبات الكثيرة و المعضلات التي تواجه الشباب ، فالزوج و الزوجة يتكبدان العمل للإنفاق على الأولاد وعلى أنفسهم ، و قد يتغرب أحدهما طلباً للقمة عيش أفضل ، أو فقط لأن الفرصة الوظيفية الوحيدة أجبرته أو أجبرتها على الذهاب بعيداً .

طموح الشباب – المتحمل للمسؤولية ، بات حصراً على أمورٍ حياتيةٍ معينةٍ ، ترغمه على الإعراض عن أمورٍ مهمشةٍ في نظر المجتمع ، كمواصلة التعليم ، أو الخدمة الإجتماعية ، أو حتى التطور الثقافي .. بمعنى آخر ، هي الأمور التي لا تكون مصدر دخلٍ مساعدٍ في تحقيق بعض المتطلبات .

فنحن كنا سابقاً نتشدق بعبارة “الشباب عماد المستقبل” ، غير أن العماد أضحت قصباً خاوياً معظم الأحيان ، أو عماداً لنفسه وعائلته فقط في أحيانٍ أخرى ، فكيف يمكن للشباب أن يبنوا مستقبلاً غير جاهز لاستقبالهم من الأساس ؟ و كيف يمكن لهم العمل بإخلاص في وظائفهم المختلفة إذا لم يوفر لهم عملهم حاجاتهم الأساسية ؟

لم تعد المؤهلات العلمية سبباً يُعتدُ به هذه الأيام ، للحصول على دخلٍ محترم ، فالجامعي يحصل على راتبٍ يعادل 5000 أو 6000 أو حتى أقل من ذلك ، في حين أن التاجر ممن لم يحقق شهادةً تعليمية يحقق أضعاف ذلك في اليوم الواحد .. و لانقول أن هذا عيباً بالطبع ..

بل ربما سنشهد عزوفاً عن التعليم بعد عدة سنوات من الآن ، فالشركات و المؤسسات الحكومية و الخاصة لم تعد جاهزة لاستقبال حديثي التخرج ، و حتى إن فَرضَ عليهم مكتب العمل و العمال نسبةً معينةً من السعودة ، إلا أن أصحاب الأعمال يثقون بشكل عام بالأجنبي لضمان مكوثه في الشركة ، و يرون في الموظف السعودي مغادراً عند أول فرصة يحصل فيها على عرضٍ أفضل .

فقليلةٌ هي الجهات التي تُعنَى بالتطوير الوظيفي و تهتم بالموظف كإنسان قبل اعتباره آلة عمل ، فكم شركةً أو مؤسسةً تضع نصب عينيها أن الشاب السعودي لبنةٌ من لبنات الوطن ؟ و كذا الشابة ، و يستطيع كلٌ منهما خدمة الوطن بشكلٍ أفضل عند إعداده بشكل جيد .. و كم جهة عمل تعطي الموظف ما يحتاج لضمان مكوثه قبل الأجنبي ؟

حري بنا إيجاد مكتبٍ لتنمية الموارد البشرية في الوطن قبل إيجاد مكتبٍ للعمل و العمال ، فمعظم جهات العمل محترفون في إيجاد الثغرات لقوانين العمال لسرقة جهد الموظف ما أمكنهم ذلك .

يبقى الأمان الوظيفي كالحبل السري بين الشركات و الشاب أو الشابة، و يبقى الموظف كالطفل الذي يخاف الخروج إلى العالم حين انقطاع ذلك الحبل ، فهل يقطع الشاب هذا الحبل و يخرج بنفسه ؟ أم ينتظر سن التقاعد ليبدأ تحقيق ما أخفق فيه خلال فترة عمله ؟

إذن فعبدالله في مثالنا أعلاه يجسد واقع الشباب الذين كبروا و كبرت طموحاتهم ، فسعوا إلى تحقيقها حتى اصطدموا بأرض الواقع ، ووأدوا أحلامهم بأيديهم حتى لا يقتلها الغير أمام أعينهم ..

ملاحظة : عبدالله و زوجته و طفلاه هم شخصيات خيالية ولاتمت للواقع بأي صلة .. !!؟؟

** لمشاركة أصدقاءك بهذه التدوينة
  • Print
  • Digg
  • Sphinn
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Mixx
  • Google Bookmarks
  • Blogplay
  • LinkedIn
  • MySpace
  • PDF
  • RSS
  • Socialogs
  • Twitter
  • Yahoo! Bookmarks
3 تعليقات
  1. عبدالحميد #

    مثال يحكي واقعنا المرير

  2. مقال جميل بالفعل وينطبق على اغلب موظفي ارامكو

    وحقيقة مستحيل ان يستطيع الموظف شراء ارض وبناءها والعيش حياة كريمة بدون مصدر دخل اضافي

    تمنيت لو ذكرت ايضا ان الموظف سيكون بحاجة الى مبالغ خيالية لتعليم اطفاله حيث ان التعليم اصبح تجارة واصبحت الاسعار بحالة ارتفاع لم يوقفه شي..

    لدي ملاحظة على هذه الجملة:

    إلا أن أصحاب الأعمال يثقون بشكل عام بالأجنبي لضمان مكوثه في الشركة ، و يرون في الموظف السعودي مغادراً عند أول فرصة يحصل فيها على عرضٍ أفضل

    تمنيت لو انك قد اضفت شئ مثل: “ولم يكلفوا أنفسهم عناء ابقاء وظيفته مصدر امان له بحيث لا يحاول النظر فيما سواها” فالعيب ليس في الموظف الوطني بل في الشركات وطريقة معاملتها اياه

    يعطيك العافية

  3. علي أبو السعود #

    مقال جميل جدا و يصف جزء صغير من الواقع المر.

    يعطيك العافية أخي وسام و نتطلع الى المزيد من كتاباتك الجميلة.

اكتب تعليقك

تابع آخر التعليقات على هذه التدوينة بواسطة خلاصة RSS