لغة الحوار (*)
عند الوقوف على عالمنا المعاصر و بالرغم من زيادة الوعي و التعليم فيه مقارنةً بالسنوات الماضية ، نجد أن لغة الحوار بين أفراده أشبه ما تكون مفقودة لسبب أو لآخر ، و هذا بالطبع عند الأخذ بعين الإعتبار كم المواقف التي نعيشها يومياً ، و التي تفرض علينا اتخاذ مقعدنا في الحوار أحياناً .
من تلك المواقف ما يحدث بشكل يومي كحديث الزوج و زوجته ، و الوالدين مع أولادهم ، و الأصدقاء مع بعضهم ، و أيضاً حديث الزملاء في بيئات العمل أو الدراسة .
و قد تمر علينا مواقف أخرى دون أن نعي أنها متضمنة في ذاتها لحوار معين ، لأن بعضنا يفتقر إلى الطريقة السليمة في الحديث مع الآخرين أو حتى الإستماع و الإنصات لهم . و البعض الآخر يحمل في نفسه عنجهيةً و كبرياءً يرميان بثقلها على مائدة الحوار ، و يملك ثقةً زائفةً تُخَيِّل له أنه صاحب الرأي السديد و أن أي رأيٍ مختلفٍ عن رأيه هو أمر غير مقبول في معجمه ، حتى لو لم يكن ذلك الرأي مخالفاً له .
و نتيجةً لذلك المفهوم الخاطئ تتأثر العلاقات العائلية و الإجتماعية و حتى العملية بين الناس ، ليغلب عليها طابعٌ يفتقر إلى المصداقية و يتسم بانعدام الثقة بين أفراده ، مما يسبب بدوره فجوةً يعيشها أفراد المجتمع في قنوات الإتصال بينهم .
لا يمكن لمعظمنا استيعاب هذه الحقيقة لسبب بسيط و هو أنه يعيش يومه لحظةً بلحظة ، دون ان يجعل من بعد النظر أساساً للتفكير في حياته ، وهذا النوع من الناس تجده متخبطاً في مبادءه ، و يغلب على تصرفاته إرتجال المواقف بدلاً من التفكير في عواقبها .
لا يجب أن نُغفِل البيئة التربوية والحياتية التي نشأ فيها الشخص منذ المراحل الأولى لحياته ، فطريقة التفكير و الكلام و الأفعال كلها محكومة غالباً بما اعتاد عليه الشخص في بيئته،و لو أن ذلك قابل للتغيير حسب وعي و إدراك الشخص نفسه مع مرور الزمن.
ثمة ركائز أساسية ينبني عليها الحوار الفعال ، يأتي في مقدمتها فن الإستماع و الإنصات ، فلكي يكون الشخص محاوراً جيداً ينبغي عليه الإصغاء لما يقال و إعطاء الآخرين حقهم في إيضاح وجهات نظرهم المختلفة ، ليتسنى له بعد ذلك تكوين فكرة جيدة لكيفية طرح رأيه ، مما يسهم في رفع مستوى الأريحية بين أطراف الحوار .
فن التحدث يعتبر الركيزة الثانية للحوار الناجح ، فأسلوب طرح الرأي الشخصي من غير تهميش و لا تجريح لأطراف الحوار الأخرى أو شخوصهم هو سبب رئيس لاستمرار أي حوار ، و المتحدث اللبق هو الذي يجذب انتباه المستمعين له من خلال زرعه للثقة في نفوسهم .
أيضاً من الركائز المهمة الأخذ في عين الإعتبار أن الهدف الأول من وراء الحوار هو تقريب وجهات النظر ، وهذه الركيزة تنتفي للأسف عند نسبة كبيرة من الناس ، و الذي يعتقد بأن التنازل أو الرضى عن وجهات النظر الأخرى صفةٌ للخاسرين و مدعاةٌ للسخرية منه ، بل و يُفضِّلُ أن تأخذه العزة بالإثم دائماً بدلاً من تحكيم عقله في التفكير السليم .
يحمل كل فردٍ منا نسباً متفاوتة من تلك الركائز ، إلا أن الموقف يفرض نفسه في التأثير شبه الكامل على استخدامنا لها ، والأمر يحتاج إلى تطويع النفس على وضع تلك الركائز نصب أعيننا في حواراتنا و تعاملاتنا اليومية ، و هذا ليس بالأمر المستحيل إن أردنا حقاً حدوثه .
(*) تم نشر المقال في جريدة القافلة الأسبوعية لأرامكو السعودية بتاريخ 8 يناير 2008 .