“حبيبي … ألم يحن الأوان لتستيقظ من النوم؟”
قالت له عندما كان غاطًّا في نومٍ عميق ، لم تأخذ تلك الكلمات حقها من الاستيعاب ، تسربت إلى أذنه لكنها لم تترتب بطريقة مناسبة في عقله ، فتح عينيه بصعوبة ، رآها واقفةً يرتسم على محياها ابتسامة دافئة رقيقة ، تزينت تلك الابتسامة بعدد من اللآليء البيضاء التي كانت مترتبة على شكل أسنان ، كانت نظرات عينيها تتحدث بأحلى كلمات العشق والغرام ، و أجفانها تعزف على رموشها أعذب النغمات .
ابتسم معتقداً أنه يعيش حلماً جميلاً لم يعتد على رؤية مثله ، طوقت يده اليمنى بكلتا يديها ، جثت على ركبتيها بجانب السرير ، وضعت راحة يده على خدها الأيسر ، كان دافئاً بعث فيه الحنان .
“هيا … قم يا عزيزي لتستحم ، بينما أعد لك وجبة الإفطار!”
لم ينطق بكلمة ، فقد كان مشدوهاً مما يحدث ، وعى أنه لم يكن يحلم ، و لكن كل الأحداث لم تكن حقيقية بالنسبة له ، أو على الأقل لم تكن الأحداث المعتادة اليومية ، و لم يكن يرغب في إيقاف ما يحدث .
بعد الاستحمام ، قام بلبس ثيابه ، و تعديل هندامه ، خرج من غرفة النوم ليجدها تنظر إليه بابتسامة عريضة أجمل من الأولى بمراحل ، راح يشبع عينيه من جمالها الأخاذ ، كانت في حلةٍ زرقاء جميلة ، تزينها حبات دقيقة من الكريستالات موزعةً على الأيادي والأكمام .
نظر إليها غير قادر على الكلام ، كان خائفاً من أن ينطق بأي كلمةٍ يمكن أن تغير مجرى ما كان يحدث ، قالت له :
“صباح الخير يا عمري ، هل نمت جيداً ؟”…
كان متصلباً في مكانه و محدقاً بمقلتيه اللتين أتعبهما التفكير في أمور كثيرة ، لم يُرِد أن يتكلم …
سألته :
“ما بك لا ترد يا قلبي … ؟؟!!”
كان سيل العبارات والكلمات التي سمعها منذ استيقظ لا يساعده على تحريك شفتيه ، ولكن بعد طول ارتباك وتفكير ، أجاب بنبرة خافتة مبحوحة :
“هاه … لا … لا شيء ،، صباح الخير حبيبتي …” …
ودون أي تفكير ، أجابته :
“صباح النور و الورد و الياسمين . أنا دائماً أكون بألف خير ما دمت أنت بخير!!”…
اتسعت حدقتا عينيه وفغر فاه من الدهشة ، و راح يكمل تساؤلاته في نفسه ، مالذي يجري ؟ وما أسباب هذه المشاعر الجياشة المفاجئة ، لكنه قرر أن يقلل من كلامه و يكثر من نظراته .
قُطِعَ حبل أفكاره عندما أمسكت بيده و أوصلته إلى المائدة ، نظر إلى المائدة فوجد أصنافاً كثيرة مرتبة بطريقة غايةٍ في الاتقان ، تنوعت الأطباق بمحتواها من البيض ، مروراً بالجبن والمربى ، وصولاً إلى القشطة ، و انتهاءًا بالحلاوة الطحينية و العسل ، هذا بالطبع إلى جانب علبة رقائق الذرة التي كانت بجانب المائدة .
“حبيبي ،، ماذا تحب أن أسكب لك ؟؟”
نظر إليها و قابلها بابتسامة هادئة ، التفت إلى جانبها فرأى بعضاً من أكياس الشاي و علبة قهوة نسكافه و شيئاً من الحليب و عدداً من أكياس قهوة الكابوتشينو سريعة التحضير بالإضافة إلى الماء الساخن والسكر .
اختار كوباً من الكابتشينو ، فأخذت كوباً و أفرغت فيه محتويات أحد الأكياس ، سكبت عليه شيئًا من الحليب ، و سألته عن كمية السكر التي يرغب بها ، فأجابها “ثلاث ملاعق صغيرة” ، سكبت الماء الساخن و قامت بخلط المحتويات ببعضها البعض .
وعندما تشكلت الرغوة العلوية في الكوب ، أخذت كمية ضئيلة من قهوة النسكافه بين اصبعيها الابهام و السبابة ورمت بها على الرغوة ، وقامت بتحريك الملعقة بشكل دائري حتى تشكلت حلقاتٌ بنية قاتمة اللون تجملت بها رغوة الكوب .
كان ينظر إليها بإمعان ، يرمق حركاتها المتقنة ، يصغي إلى ألحان الحب في كل التفاتة أو ابتسامة أو حركة ، أعطته الكوب فلم ينتبه لها ، فقالت له :
“عزيزي .. تفضل الكوب !!”
أخذ الكوب و وضعه على المائدة ، رجع يقلب نظراته بين أجزاء المائدة ، ولكنه كان أيضاً يسترق النظرات لها بين الفينة والأخرى ، ويُرجِعُ بصره على المائدة عندما تنظر إليه ، تنبهت له و قالت :
“مابك لا تأكل ؟؟!! ألا تعجبك المائدة؟؟!! “
كان لا يزال واقعاً تحت تأثير ما يحدث ، لم يعتد أن تستيقظ قبله من النوم و خصوصاً في أيام اجازته الأسبوعية ، كما أنها لم تكن تعد له الإفطار من قبل ، بل كانت الكلمات بينهما مجرد أشياءٍ يطلبها أحدهما من الآخر فقط .
أمسك بقطعة خبز وبدأ بالأكل ، كان يطيل المضغ لكي يشبع قلبه من النظر إلى حبيبته ، لم يكن الاثنان يتكلمان ، بل قررا دون سابق تخطيط أن يستمرا في الأكل و الاكتفاء بتبادل الضحكات بينهما .
بعد الافطار ، كان يراقب حركاتها و خطواتها بين أرجاء المكان ، كان يشعر كما لو كان يرى زوجته أول مرة . هي ، كانت على العكس تماماً ، كانت تحدثه و تجلس بجانبه واضعةً رأسها على كتفه ، كانت مفعمة بالحيوية والنشاط ، كانت تلمح نظرات الدهشة والاستغراب في عينيه ، لكنها لم تُرِد أن تسأله عنها .
جاء وقت الغداء ، اقترح عليها أن يخرجا ليتناولا الأكل في مطعم ما ، خرج الاثنان وركبا السيارة ، ابتدأ هو ببعض الكلمات ، و لكنها كانت صاحب نصيب الأسد من الحديث ، دخلا المطعم وطلبا الأكل ، كان تناول الافطار متأخراً سبباً في عدم أهمية ذاك الغداء بالنسبة لهما .
أكملا وجبتهما وعادا يركبان السيارة ، و بالرغم من كل الحديث الذي كان بينهما ، كان مازال راغباً في سؤالها عما طرأ عليها ، كان حبه لمعرفة أسباب الاختلاف المفاجئ يقتله ، صمت لمدة من الزمن ثم قال :
“حبيبتي ، هل لي بأن أسألك سؤالاً؟؟”
دفعها السؤال للاضطراب ، و أشاحت بوجهها بعيداً . أحس بأن هناك شيئاً خطيراً ، فقال لها :
“مابكِ ؟؟” …
أجابته :
“لا شيء … تفضل … اسأل!!” …
فقال لها :
“هل يمكنني أن أعرف سر التغيرات الكثيرة المفاجئة التي حصلت وتحصل اليوم ؟؟”
زاد اضطرابها و قالت مرتكبة :
“أأأي تغيرات؟؟”…
نظر إليها وقال:
“أنت تعرفين عن أي تغيرات أتحدث ، فأنا لم أعتد على كل هذا الاهتمام والدلال المفرط منك ، بل إنني أحس أنني أرى امرأة أخرى” …
التفتت إلى الطريق بجانبها و قالت :
“لم أفهم ماذا تعني …”
نظر إليها و ألح عليها في تكرار السؤال تباعاً ، فنظرت إليه وقالت له بغضب :
“لن أقول لك شيئاً…”
أدهشته الاجابة وقال :
“إذن هناك شيءٌ ما … ما هو ؟؟”
خيم الصمت في السيارة ، لم يشأ أن يلح عليها أكثر من ذلك . هي لم ترغب في الاجابة لكنها استدركت و قالت :
“إذا أخبرتك … ستسخر مني … “
“و لِمَ أسخر منكِ ؟؟!!” ، قال لها .
قالت له :
“حسنٌ … لقد رأيت حلماً مخيفاً في الليلة الماضية أثناء نومي فقمت مذعورة خائفة … “
فرد عليها :
“وما كان ذاك الحلم ؟؟”
قالت :
“لقد حلمت بأنك …. “
“ماذا”…
“بأنك …. بأنك تزوجت امرأة أخرى” …
لم يستطع الاحتمال فانفجر ضاحكاً ، هي طأطأت رأسها خجلاً ، و هو تمالك نفسه بعناء وقال :
“أنا آسف يا حبيبتي ، و لكن كل ما حصل اليوم كان نتيجةً لحلم !!”
هي :
“…..”
عندها فهم ما كان يجري ولكنه كان فرحاً بعواقب ذاك الحلم ، و استمر الحال على ذاك المنوال طوال اليوم ، كانت هي مستمرة في حشو جملها بكلمات الحب والعشق ، و هو فَرِحٌ لا يريد لذاك اليوم أن ينتهي .
********
في اليوم التالي ، استيقظ هو من النوم باكراً عند الساعة الثامنة صباحاً ، كانت هي مازالت نائمة ، استحم و لبس ملابسه ، لم يشأ أن يتناول الافطار قبلها ، استمر في انتظارها لكنها لم تُفِق قبل الظهر .
سمع أصواتاً في المطبخ ، فقام ليراها فإذا بها تتناول افطارها ، نظر إليها وقال :
“حبيبتي ، كنت …. أنتظرك ، فلم أشأ أن أَفطِر قبلك!!”
فقالت له :
“أمامك المطبخ ولك حرية التصرف في فعل وأكل ما تريد”..
أمعن النظر في عينها مشدوهاً مما سمع ، لكنه قام بإعداد شيء له ، راحت هي تشاهد التلفاز ، لحق بها وبدأ بالحديث معها :
“كيف كان نومك ؟؟”
“جيد!!” ، ردت ببلادة …
“مابكِ حبيبتي ، يظهر عليك الضيق!!”
“لاشيء ،، ماذا ترى انت ؟؟”
استغرب ردها الثقيل ، فقرر السكوت .
قامت بعدها و أبدلت ملابسها ، وقدمت إليه و قالت :
“قم و أوصلني ، لدي عدد من المشاوير لأقوم بها…”
هو كان متساءلاً عما غير حال الأمس ، لكنه لم يشأ أن يُزِد في الكلام أكثر …
“ألن نتناول الغداء مع بعضنا اليوم أيضاً ؟؟!!” ، سألها …
قالت :
“لا ، فأنا سأذهب إلى بيت أهلي لأجلس مع إخوتي ووالديَّ على مائدة الغداء”
فقال لها :
“وأنا ، أين أتناول غداءي ؟؟!!”
أجابته :
“يمكنك أن تأتي معنا فهناك متسع ، أو يمكنك الذهاب إلى بيت أهلك والأكل معهم” …
لم يُرِد أن يكثر الحديث ، لبس ملابسه وخرجا ، ركبا السيارة وشغلها ، ثم قال لها :
“حبيبتي ، ماذا كان حلمك البارحة؟؟”
(*) خربشات من أرشيفي القديم .. بتاريخ 5 يونيو 2006 …