24 أبريل 2012

خلف أبدالنا الاجتماعية

الكاتب : وسام

تحدث فيلم الخيال العلمي (Surrogates) « الأبدال » – عندما ظهر في عام 2009 م – عن زمنٍ في المستقبل ، يختار فيه الناس البقاء داخل بيوتهم ، و ممارسة حياتهم الطبيعية خارج البيت من خلال أجسادٍ آلية تُعرف بالأبدال ، يقوم كل فردٍ بالتحكم التام ببديله الذي يعيش من خلاله أروقة العالم الخارجي طوال اليوم ، و لأنها أجسادٌ مُصَنَّعة ، كان ذلك كفيلاً لأصحابها باختيار أجسامٍ شابةٍ يحلمون بالعيش بها دوماً ، و بدلاً من أجسامهم الحقيقية التي تهرم و تتغير بمرور السنين .

النقطة المهمة باعتقادي و التي ركز عليها الفيلم كانت تصب في إمكانية امتلاك الفرد أكثر من بديلٍ لا يعكس بالضرورة شخصيته أو عمره أو حتى جنسه ، حتى صار الناس في تلك الحقبة الزمنية يفترضون الكذب في الآخرين ، و لم يعد للثقة مكانٌ بينهم .

صحيحٌ أننا لم نصل بعد إلى الأبدال التي عرضها الفيلم ، إلا أننا بدأنا و منذ عدة سنوات في أخذ منحىً مشابهٍ لتلك الفكرة ، و لن نبالغ إذا قلنا أن نسبةً كبيرةً منا لديه بديلٌ أو أكثر .

الأبدال التي أعنيها هنا ، هي تلك التي نعيش بها شخصياتنا الحسية من خلال الفضاء الإنترنتي أو السايبري ، و عبر شبكات التواصل الاجتماعية على اختلاف طرائقها ، فحساباتنا في الفيسبوك و التويتر و گوگل پلس و البلاك بيري و حتى الواتس آب تعتبر أبدالاً لنا ، تقوم هي مقامنا حين الحديث أو التعامل مع الآخرين ، و نقوم نحن بالتحكم بها و تسييرها حسب ما نراه مناسباً في مختلف المواقف .

لا ننكر أن هذه الأبدال خلقت للبعض مُتَنَفَّساً يمارس فيه نشاطاتٍ في حياةٍ يصنعها من حوله ، عِوَضاً عن ممارسة ذلك في حياته الواقعية التي فُرِضَت عليه ، بل و ربما أعطت تلك الأبدال مساحةً لأصحابها يستطيعون من خلالها مناقشة ما يشاؤون مع من يشاركونهم تلك الاهتمامات ، كما قام البعض الآخر باستخدام تلك الأبدال في التعريف و التسويق لأعماله و خدماته .

لكن تلك الأبدال الاجتماعية فرضت هيمنتها علينا ، حتى أضحينا مقيدين وراء قضبانها ، نتحدث بكلماتٍ مكتوبة و ليست مسموعة ، و نصوغ مشاعرنا عبر حروفٍ و أشكالٍ لا تبدي حقيقة شعورنا ، فنرسل وجهاً ضاحكاً و نحن باكون ، و نطبع قبلةً لمن نحن له كارهون .

استبدلنا عبارة « خلينا على اتصال » بـِ « أكلمك على الواتس آب » ، و استعضنا عن طلب رقم الهاتف حين نلتقي صديقاً لم نره منذ مدة طويلة بسؤال « عندك فيسبوك؟ » ، مما فرض على الكثير دخول عالم الأبدال هذا و التواصل من خلالها مع الآخرين ، حتى أثناء حديثه مع أفراد عائلته الصغيرة ، و التي تعيش في نفس المكان غالباً .

و نظراً لتفشي هذه الظاهرة ، فقد تعرض المخرج فاضل الشعلة في الكليب القصير « حملة حرك لسانك » إلى هذا بقالبٍ كوميدي ، و رغم الصورة الساخرة للطرح ، إلا أن فريق العمل نجح بالفعل في توجيه رسالةٍ بين السطور ، تحكي واقعاً مريراً و سقيماً ينهش في إنسانيتنا المتبقية .

بتنا نعيش خلف أبدالنا الاجتماعية ، نتجرد شيئاً فشيئاً من مشاعرنا الإنسانية بمرور الزمن ، نختار العزلة الحسية عن الآخرين ، و نفضل التواصل المكتوب بدلاً من الحي ، نريد الاختفاء جسدياً عن مرأى الناس و نطلب منهم رؤيتنا عبر أبدالنا .. تلك الأبدال التي لا تستطيع الإفصاح عما يختلج صدورنا من مشاعر ، و لا عما تعانيه قلوبنا من أوجاع ، أو تطرب له أفئدتنا من مسرات .. الأبدال التي ليس لها أعينٌ تفضح خفايا الأنفس ، و تسرد حكايا المحبين ..

لقد اعتدنا ممارسة الحياة من خلال تلك الأبدال الاجتماعية ، فهل نستطيع تركها أو خلعها ، على الأقل حين نكون برفقة من نحب ؟

10 ديسمبر 2011

عن كربلاء .. المدرسة

الكاتب : وسام

أعْظَمَ اللهُ أُجُورَنا بِمُصابِنا بِالْحُسَيْنِ عَلَيْهَ السَّلامُ وَجَعَلْنا وَاِيّاكُمْ مِنَ الطّالِبينَ بِثأرِهِ مَعَ وَلِيِّهِ الإِمامِ الْمَهْديِّ مِنْ آلِ مُحَمَّد عَلَيْهِمُ السَّلامُ

نعيش هذه الأيام ذكرى واقعةِ كربلاء المقدسة .. نَشُمُّ من خلالها عبقَ العزة و عِطرَ الكرامة ، و نبصر نورَ التضحية و الإباء .. النورُ الذي خَطَّ نهجاً جلياً لمن ابتغاه ، و شَيَّدَ مدرسةً جامعةً لأسمى معاني القِيَمِ و الأخلاق و الفضائل ، أُسِّسَت على « طلب الإصلاح » في الأمة .

نسعى كل عامٍ للالتحاق بركب هذه المدرسة ، كلٌ يَنشُدُ ضَالَّتَهُ بين فصولها و جدرانها ، يستقي أحدنا من دروسها و عِبَرِها ما يروي ظمأه الفكري أو النفسي أو الأخلاقي ، و يبحث آخرٌ عن شرف الخدمة لصاحب هذه الأيام و ضيوفه ، و يَتَكَسَّبُ ثالثٌ قُوتَ يومه في ساحاتها ، بينما يصب رابعٌ جل اهتمامه في تسجيل الحضور فقط .

تتباين درجات الاستفادة في هذه المدرسة حسب الضالةِ المنشودة ، فقد تكون طويلةَ الأَمد ، أو موسميةً تنقضي بانقضاء الثلاث عشرة ليلة ، أو لحظيةً تتلاشى قبل أن تستقر . و هذا التباين يرجع إلى اختلاف أهدافِ كُلٍّ منا في هذه المناسبة ، ففي حين يكتفي البعض بحضور المجالسِ الحسينيةِ و مواكبِ العزاء كشعائر مقدسةٍ بالنسبة له ، يسهم الآخر بالمشاركة الفاعلةِ أيضاً في نشاطاتٍ أخرى فنيةٍ أو صحيةٍ أو تعليمية ، في محاولةٍ لوصل مختلف شرائح المجتمع بهذه المناسبة ، و تعميق مفاهيم و أهداف النهضة الحسينية الخالدة ، و التأكيد على استمرارية ارتباطها بالحياة على مر العصور .

غير أن عنصر المشاركة الحسية – الجسدية – يبقى طاغياً على معظم هذه الشعائر و الأنشطة ، في حين تكاد تنعدم المشاركة المعنوية أو الروحية لنا ، فنحن نركز على استشهاد سيد الشهداء « عليه السلام » و من صَحِبَهُ من أهل بيته و أصحابه ، و نحيي مراثيهم مواساةً لصاحب الزمان « عجل الله تعالى فرجه الشريف » ، مغفلين بذلك الجانب الآخر من متطلبات إحياء أمرهم ، المتضمن للجوانب الفكرية و القيم الروحية ، التي كانت من أسس نهضة الإمام الحسين « عليه السلام » حتى استُشهِد في سبيل إقامتها .

و رغم حضورها القوي في جميع فصول و مشاهد كربلاء ، إلا أن المفاهيم الأخلاقية و الإنسانية ، تغيب عن الكثيرين منا ، لنختزل بذلك « كربلاء » في الواقعة فقط ، و نتناسى الدروس المستقاةَ منها ، فينقطع اتصالنا بهذه المناسبة بانقضاء أيامها القليلة ، دون أن يترك ذلك أي أثرٍ إيجابيٍ على شخصياتنا و نفسياتنا ، تجعل منا زيناً لأهل البيت « عليهم السلام » ، و تعيننا على مواجهة وعثاء الحياة و دروبها .

كأننا بذلك نؤثر أن نبقى خارج أسوار المدرسة طوال العام ، علاقتنا بها(*) كعلاقة الطلاب المنتسبين ، تبدأ و تنتهي خلال فترة الاختبارات فقط ، مفتخرين بانتماءنا لهذه المدرسة ، و مشيدين ببناءها و فصولها ، لكننا لا نبذلُ(*) جهدًا لفهم مَضَامِين دُرُوسِها و عِبَرِها ، و التي ظهر بعضها – على سبيل المثال – بكل وضوحٍ في خطبته « عليه السلام » يوم العاشر .

بين الانتظام و الانتساب لهذه المدرسة فرقٌ جوهري ، مثل الفرق بين القولِ و العمل ، و كلٌ منا سيختار أيهما يسلك ، لكن(*) شتان بين الإثنين ..

السلام على الحسين

و على علي بن الحسين

و على أولاد الحسين

و على أصحاب الحسين

عليكم مني سلام الله أبداً ما بقيت و بقي الليل و النهار

و لا جعله الله آخر العهد منا لزيارتكم

(*) تمت الإضافة و التعديل بعد النشر .

27 نوفمبر 2011

هل نحن متشاءمون ؟

الكاتب : وسام

أستمتع بقراءة مقالات الأستاذ عبدالله المغلوث(*) في الغالب ، ليس لأنها تبعث على التفاؤل كما يراها البعض ، بل لأن له أسلوباً سلساً في الطرح بعيداً عن التكلف ، و الذي يعتمد على النقد الهادئ و الهادف من خلال المقارنة بين واقعنا في الوطن ، و بين الواقع الذي تعيشه الشعوب الأخرى .

و غالباً ما أرى المقارنات التي يعزز بها الأستاذ عبدالله أفكاره على أنها دعوةٌ للتشجيع و الحث على التطوير و التغيير الإيجابي للواقع الذي ما زال يتغلغل في عقولنا قبل نفوسنا ، و ربما راق لي التعبير الذي استخدمه أحد الأقارب ، بأن الأستاذ عبدالله صاحب إسقاطاتٍ جميلةٍ تبعث على التأمل قبل التفاؤل ، حتى لو لم تكن ممكنة التطبيق لدينا .

و لكن إذا كان هدف الأستاذ عبدالله من مقالاته هو زرع التفاؤل فينا ، فهل يعني هذا بأن طابع السلبية يغلب علينا أكثر من الإيجابية ؟ و إذا افترضنا جدلاً أننا سلبيون في نظرتنا إلى الحياة ، فهل نملك أسباباً وجيهةً نبني عليها هذه السلبية ؟!

إن أحد أهم الأسباب من وجهة نظري .. هو ما نتعرض له من الضغوط المستمرة ، و التي تزيد بزيادة التزاماتنا تجاه أنفسنا و الآخرين مع مرور الزمن ، فتُشَكِّلَ سلسلةً من التراكمات قد تصل بالبعض إلى حالةٍ من اليأس تجاه الواقع ، و قد تنتهي إلى التشاؤم و الكآبة في أحيانٍ أخرى .

و تختلف هذه التراكمات في تأثيرها و حجمها من إنسانٍ لآخر ، و ذلك تبعاً لطبيعة الضغوط المسببة من جهة ، أو لطبيعة ردود أفعالنا تجاهها من جهة أخرى . فالضغوط أو مُعَامِلات التأثير كما يسميها الباحثون ، إما أن تكون عامة التأثير على شريحةٍ معينةٍ من المجتمع ، و إما أن تكون خاصةَ التأثير على فردٍ بعينه دون غيره ، و كذلك الحال بالنسبة لردود الأفعال والانفعالات ، فهي تختلف من إنسانٍ لآخر حسب رؤيته لتلك الضغوط و طريقة تعامله معها .

و لإنّ هذه الضغوط تكون نتيجة سعي الإنسان المستمر في تأمين حاجاته و التزاماته ، حاول علماء النفس والباحثون دراسة و تحليل تلك الحاجات ، و كان أشهرهم ابراهام مازلو الذي قَدَّمَ تصوراً هرمياً لِتَدَرُّجِ حاجات الإنسان حسب أهميتها .

هرم تدرج الحاجات لابراهام مازلو

صَنَّفَ مازلو  – في هرمه – الحاجات المختلفة للإنسان إلى خمسة أنواع ، و أدرج تحت كل نوعٍ منها عدة حاجات فرعية ، يمكن أن ينتج عنها مُعَامِلاتُ تأثيرٍ مستقلة ، قد تترك أثراً إيجابياً أو سلبياً أو حتى حيادياً ، حسب ردود أفعال الإنسان نفسه كما أسلفنا سابقاً ، و يفترض مازلو أن الحاجات ينبغي أن يتم إشباعها مُرَتَّبَةً من الأسفل إلى الأعلى ، بمعنى أن الحاجات الفسيولوجية يجب أن تُشبَعَ لدى الإنسان قبل التفكير في حاجات الأمان ، و كذلك الحال بالنسبة للحاجات الاجتماعية و من ثَمَّ الحاجة للتقدير ، و أخيراً الحاجة لتحقيق الذات .

لكن مفهوم الإشباع يبقى مبهماً بعض الشيء ، و هذا يدفعنا إلى التساؤل عن كيفية تحقيق هذا الإشباع ! فهل يُعتَبَرُ الأثر السلبي الذي تتركه مُعَامِلاتُ التأثير المختلفة على الإنسان مانعاً للوصول إلى الإشباع ؟ و هل يكون الأثر الإيجابي محققاً له ؟

الجدير بالذكر أن صاحب هذه النظرية يؤمن بأن الإنسان لا يكون مستعداً لقبول أي نوع من أنواع التشجيع أو التحفيز قبل تأمين الأنواع الثلاثة الأولى من الحاجات على الأقل ، و هذا ما يجعلنا نقف مشدوهين أمام هذه النتيجة ، لأن ذلك يعني وجوب تحقيق الأمن الوظيفي و الأمن الأُسَرِي قبل تحقيق احترام الآخرين ، و قبل الاستعداد لقبول التشجيع من الآخرين .

كما تنص النظرية أيضاً على عدم إمكانية الوصول إلى تقبل الحقيقة قبل إشباع الحاجة إلى التقدير ، و هنا يتجلى أحد مَوَاطِنِ ضعف النظرية ، فمثلاً يستطيع الشاب قبول حقيقةِ أن مؤهله العلمي و الفكري لا يضمن حصوله على وظيفة ، عندما يظل حبيس البيت لعدة سنوات ، و حتى دون إشباع الحاجات التي تأتي قبل ذلك .

و هذا ما يهمنا هنا ، فنحن في الوطن نستطيع تقبل الحقائق بكل سهولة ، لأن تلك الحقائق هي ما تبني واقعنا الحالي ، و تشكل واقعنا المستقبلي .

فحقيقة استحالة امتلاك سكنٍ خاص لغالبية المواطنين مثلًا ، تظهر في الحمى العقارية التي ما زالت تَتَفَشَّى خلال السنوات الأخيرة ..

و حقيقة أن حياة الإنسان باتت لعبةً بيد المشافي العامة و الخاصة ، تتضح في عدد الأخطاء الطبية التي أزهقت أرواحًا ، أو أقعدت عددًا من الأصحاء ..

و حقيقة أن المواطن ينفق أكثر لِيُذَلَّ أكثر ، تتبدى من خلال الجشع المستمر لشركات التأجير و البنوك و مقدمي الخدمات ..

و حقيقة تصنيف درجات إخلاص المواطنين للوطن ، تتكشف في الإتهامات المستمرة التي تُبدِعُ الفِرقُ المختلفة في تأجيجها و نشرها ..

هذه الحقائق و غيرها هي ما يجعلنا واقعيين في نظرتنا إلى الحياة ، و ليس سلبيين أو متشاءمين كما يعتقد البعض ، لأننا نتقبل هذا الواقع و نعمل على التأقلم عليه ، نجتهد لعمل الأفضل مع مراعاةِ المنطقيةِ في هذا الاجتهاد ، و نسعى إلى تحقيق ذواتنا دون الاعتماد على إشباع حاجات أخرى ، أو على نتيجة مُعَامِلاتُ التأثير المختلفة سواءً العامة منها أم الخاصة .

و لهذا فنحن نقضي جل عمرنا في تلبية حاجات الأمان التي تحدث عنها مازلو ، و التي أرى أنها جزءٌ مصاحبٌ لكل تصنيفٍ من التصنيفات الأخرى ، مما يجعل ابتكاراتنا محصورةً بشكلٍ رئيس في مواكبة تَغيُّراتِ الحياة المستمرة و القاسية في ذات الوقت ، بدلاً من محاولة تغيير الحياة حولنا بالدرجة الأولى .

(*) كاتب بجريدة الوطن السعودية ..

20 سبتمبر 2011

غوغائية الفشل و تحجير العقول

الكاتب : وسام

منذُ عدةِ سنواتٍ و أنا أتابع بِنَهمٍ أحوالَ المجتمعِ الذي أعيش فيه ، و كنتُ مكتفياً خلالها بالمراقبةِ دون التدخل في شؤونِ أفراده ، و مُرَكِّزاً على عدةِ قضايا مثل التعليم و التربية و تنمية المواهب ، و لهذا بدأتُ بدراسةِ الماجستير في التعليم و تنميةِ الموارد البشرية رغبةً مني في المشاركة الفاعلة في رقي هذا المجتمعِ أخلاقياً و تربوياً و تعليمياً و عملياً أيضاً .

كنتُ قد كتبتُ عدةَ مقالاتٍ قصيرةٍ ، رَكَّزت فيها على عددٍ من القضايا اليومية ، بهدفِ تسليط الضوء على تلك الأمورِ دون أن أُفتِيَ في بحثِ حلولِ الإصلاحِ لها ، و كنتُ أقتصر على نشر هذه المقالات في موقعي الخاص و إرسالها إلى العائلة و الأصدقاء غالباً .

و لازلتُ أحاولُ – كما أتمنى دائماً – أن يكون طرحي لأي فكرةٍ قائماً على الموضوعيةِ و خالياً من أيةِ شوائب شخصية . لم أفترض يوماً أنني مُنَزَّهٌ عن الأخطاء ، و لم أنبذ إنساناً على خطأٍ أو أزدريه على فشل ، بل كنت أضم نفسي مع أي دعوةٍ أو لومٍ أوجهها للمجتمع ، فأنا جزءٌ منه قبل أن أكون ناقداً له ، و فشل أي جزءٍ من هذا المجتمع هو فشلٌ لجميع أفراده .

و لأن مرارةَ الفشلِ ضروريةٌ للإحساسِ بطعم النجاح و حلاوته ، فأنا أستغل أي تجربةٍ فاشلةٍ أخوضها لأشحذ هممي مجدداً نحو النجاح ، فدربه ليس معبداً كما يتمناه البعض ، والذين قد ينتظرون من يأخذ بيدهم دائماً ، و ينتشلهم من براثن الفشل التي تطوقهم .

و مع أنني لا زلت أَمُدُّ يد العون لكل من يطلب مني ذلك ، و تشجيعي يطال الصغير و الكبير على حدٍ سواء ، دون أن أفترض حقاً للوصايةِ على أيٍ منهم ، أو أمارس دوراً سلطوياً على أحدٍ أو حتى أمنن عليه في يومٍ ما ، إلا أن هناك شريحةً لا يستهان بها ممن استسلموا لفشلهم ، و أصبحوا أسيري تجاربهم الشخصيةِ العقيمة ، و باتوا يستندون إلى واقعهم المريض في الحكم علي و التشكيك في أفعالي ، و اعتقدوا أن مقاييسهم الزائفة هي المناسبة للاستمرار في هذه الدنيا .

لم أفطن يوماً أن ما أفعله يقض مضاجع أفراد هذه الشريحة ، و الذين لم يدخروا جهداً خلال السنوات الماضية في صب وباء عُقدِهِم النفسيةِ علي ، و على من حولي ، يخفون أنفسهم وراء أقنعةِ المحبين ، بينما يرشقوني بسهامِ الشتائم و الإهانات ، و يسددون لي طعنات الأحقاد ، و التي لا أعلم سبباً لها حتى اللحظة .

كل ما أعرفه هو أن أفراد تلك الشريحة يعيشون صراعاً داخلياً مع أنفسهم بسبب إحساسهم الملازم بالفشل في شؤون حياتهم ، و لذلك يرفضون أي تلميحٍ عن تقصير أو خطأٍ يصدر منهم ، و يبدأون بكي من حولهم بنار المرض المستشري في عروقهم ، و يقلبون موازين الأمور لتصب في مصلحتهم وحدهم دون غيرهم ، حتى يصير الحق باطلاً و الباطل حقاً ، بل و يُنَصِّبون أنفسهم أوصياء على الناس في حين أنهم ليسوا إلا دعاةً للفشل ، يروجون له كبضاعةٍ ثمينةٍ لمن أسلموا إليهم مصائرهم ، و أقفلوا أبواب عقولهم .

وبسبب جرمي الذي لا أعرف عنه شيئاً ، استخدموا حججاً واهيةً للتقليل من شأني ، فاتهموني بالمثاليةِ عندما استشهدت بالقرآن الكريم في حديثي ، و أسندت أموري إلى مناقبِ الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله وسلم و أهل بيته الطيبين الطاهرين ، و انتقصوا من قدري لأنني متعلمٌ و أدعو للثقافة و المعرفة ، و أصدروا حكماً علي بأني غير مؤهلٍ للعيشِ في هذا المجتمع ، فقط لأنني رفضت أن أنصاع إلى طريقتهم السقيمة ، و آثرتُ أن أُحَكِّمَ عقلي في الأمور بدلاً من الانقياد وراء نعيقهم .

و ما زالوا ينفخون في أبواق الحرب عليَّ و على من حولي ، و يكيدون لي في كل لحظةٍ من لحظاتِ أيامهم ، و يعدون العدد لسلخي من مبادئي التي يرون فيها زندقةً مقيتة ، و يُأَلِّبُون عليَّ كل من استطاعوا لتحقيق أهدافهم التي لم أفهمها يوماً ، وهم مستترين تحت رداء القربى و شعارات الأخلاق المغلوطة .

و مع كل هذا فأنا لست مهتماً لمعرفة مآربهم ، لأنها لن تعدو أن تكون أكثر من أحقادٍ تتغذى بها أنفسهم المريضة ، و التي ما بَرِحَت تجرف كل ما في طريقها ، و أعرف تماماً أنهم لن يتوانوا عن فعل أي شيءٍ حتى و لو لطخوا أيديهم بالدماء ، فلن أستغرب منهم شيئاً بعد أن تجردوا من إنسانيتهم ، و تكبلوا بأغلالِ غوغائيةِ الفشل في حياتهم .

لن أنثني عن أفكاري و رسالتي ، و لن أنساق وراء أهواءهم ، و لن أُهزَمَ أمام دعواهم ، فأهدافي أخروية و أهدافهم دنيوية ، و سأظل صامداً على نهجي ، دون أن أخضع لرغباتهم ، و أرجو أن لا أُرغَمَ على فضحهم و التشهير بهم يوماً ما .

فَضَّلتُ أن أتحدث هنا بصيغة المتكلم ، لأنني لا أملك أن أتحدث نيابةً عن أي أحدٍ حتى لو وكلني بذلك ، و لأنني لا أرغب أن أقترف ما يمارسونه من جرائم و خطايا تجاه أنفسهم و المجتمع .. المجتمع الذي بات ضعيفاً أمام مهازلهم ، و عاجزاً عن لجمهم و كبح تعدياتهم المستمرة حتى على أزواجهم و أولادهم ، فاستمروا في نشر أدرانهم بعد أن انغمسوا في مستنقعاتٍ من الشك و الأنانية و الخداع .

و ليعلموا أن القرآن الكريم هو مرجعي ، و الخلق الحسن هو مصدر اعتزازي و فخري ، و احترام الناس هو ديدني الذي لا أحيد عنه ما حييت ، و سأبقى ممتناً لوالديَّ العزيزين على ما زرعوه فيَّ و ربَّوني عليه ، و سأستمر في استنكار الخطأ و الدعوة إلى الصواب على الدوام .. فليكفوا ألسنتهم عني ! و ليمسكوا بجراءهم عن ملاحقتي ! و ليشغلوا أنفسهم بأمورهم بدلاً مني !!..

12 أكتوبر 2010

التعليم كقاتلٍ للإبداع !

الكاتب : وسام

يتحدث السير كِن روبِنسون (الأستاذ في التعليم) في المقطع السابق عن أهمية التعليم و ضرورة توفيره للجميع ، و يُسَلِّطُ الضوء على جزئيةٍ مهمةٍ تكمن في استحالةِ التكهن بالمستقبل ، و يُبَيِّنُ أيضاً أن التعليم المُتَّبَع في هذه الحقبة الزمنية قد يفقد فائدته المرجوة مع مرور السنوات ، حتى أن الدرجات العلمية باختلافها ستكون غير مجديةٍ حين البحث عن الوظائف .

و لذلك يعتقد الأستاذ بوجوب العمل على تنمية القدرة الإبداعية و الطاقة الابتكارية لدى الأطفال ، و التركيز عليهما تماماً مثل التركيز على تعليم القراءة و الكتابة ، و ذلك لقدرة الأطفال – في سنواتهم المبكرة – على التفكير دون الخوف من الوقوع في الأخطاء مثل الكبار ، و لذا وجب الحذر من قتل أو كبت القدرة الإبداعية لديهم و بالخصوص خلال سنوات دراستهم المبكرة .

ثم يستعرض السير روبِنسون ثلاثَ ركائزَ يجب أن يُبنَى عليها الذكاء . أولاً أن يكون متنوعاً في أساليبه وتطبيقاته ، و ثانياً أن يكون ديناميكياً و قادراً على التغير حسب الأوضاع المختلفة ، و ثالثاً أن يكون مستقلاً و مختلفاً ليبرز بشكل أفضل .

و يختم الأستاذ حديثه بالدعوة إلى إعداد أطفالنا بشكلٍ يُمَكِّنُهُم من مواجهة مستقبلٍ غامضٍ قد لا نعيش نحن فيه ، و إعادة النظر في أنظمتنا التعليمية سيكون خطوةً أولى نحو تحقيق ذلك ، و من ثم العمل على استثمار المخزون الإبداعي للأطفال و ربطه بالعلوم منذ السنوات الأولى .

الجدير بالذكر أن السير روبِنسون كان يتحدث عن التعليم التقليدي بشكل عام ، و بحكم جنسيته البريطانية و إقامته الحالية في الولايات المتحدة الأمريكية ، فهو يعني بشكل خاص الأنظمة التي يراها في البيئة التي يعيشها هو بشكل يومي . و لكن ماذا ترى سيكون رأيه لو عايش النظام التعليمي لدينا ؟!

فنحن و خلال سنوات دراستنا الطويلة ، نركز دائماً على الكم في “المعرفة” و ليس الكيف ، و عدد الكتب و المواد الدراسية هو السمة الملازمة لكل مرحلةٍ دراسية أو اختصاص ، و عليه فإننا نبدأ منذ المراحل الأولى للدراسة بالاعتياد على نمطٍ معين من الرتابة و الكسل الذهني ، يكون فيه حضور الدروس و أداء الواجبات منتهى غاياتنا ، ويستمر ذلك حتى في مراحل دراستنا المتقدمة في المعاهد و الجامعات .

و بالنتيجة فإن نهلنا للعلم يكون لحظياً غرضه فقط إجابة أسئلة الإمتحان ، لينتفي هدفه الأساسي ، و يغدو مجرد أسفارٍ نحملها على ظهورنا ، و نزيد عددها عاماً بعد عام ، أو نلقي بها عند نهاية كل عام .

إذا أخذنا اقتراحات السير روبِنسون على محمل الجد ، و افترضنا أن هدفنا الآن هو تبني القدرة الإبداعية للطفل ، و العمل على تنميتها و تطويرها و توجيهها الصحيح ، و من ثم ربط تلك القدرة و العلوم المختلفة بأسلوب حياتي مُعَاشٍ من قِبَلِ الطفل نفسه ، لتترسخ المعلومات في ذهنه و يبني عليها علوماً أخرى مع تقدمه في المراحل الدراسية التالية ، فكيف يكون لنا ذلك ؟

قبل تبني القدرة الإبداعية عند الطفل ، ينبغي لنا اكتشافها أولاً ، و هذا لا يمكن أن يتأتى إلا عن طريق اختصاصيٍ في العلوم السلوكية عند الأطفال لمعرفة طريقة التعامل معه ، و ربط أفعاله و أقواله بشخصيته المستقلة ، سعياً في الوصول إلى نقاط قوته و استغلالها في التغلب على نقاط ضعفه .

و لأن مثل هذا الاختصاصي غير موجود في النظام التعليمي الحالي ، فهذا يعني وجوب استحداث وظائف يشغلها المؤهلين لأداء هذه المهمة ، مما يستدعي تأهيل شريحةٍ كبيرةٍ من طاقات الوطن في هذه التخصصات ، و يستلزم إنشاء أقسامٍ جديدةٍ في جامعاتنا و معاهدنا .

و لنكون أكثر موضوعية ، دعونا نستهدف فقط الثلاث سنوات الأولى من المرحلة الإبتدائية ، و سنرى أن ذلك يتطلب تعيين أكثر من حصةٍ أسبوعيةٍ هدفها التعرف على طاقات الأطفال المختلفة ، تقام في بيئةٍ مختلفةٍ عن الفصل الدراسي المعتاد ، لحث الأطفال على استخراج قدراتهم ، و البحث عن تلك الركائز الثلاث للذكاء .

ثم يأتي بعد ذلك توظيف تلك القدرات بالشكل المناسب ، و العمل على إيجاد العلاقات المختلفة بين مهارات الطفل نفسه و العلوم المختلفة ، و اعتبار كل طفلٍ بأنه مشروعٌ مستقلٌ و منفردٌ بذاته ، ليتم التعامل معه بطريقةٍ مختلفة عن أقرانه ، و الأخذ بعين الاعتبار مدى دقة و حساسية الأساليب المُتَّبَعَةَ مع كل طفل ، و ملائمة ذلك له .

تطبيق المشروع العلمي و البحثي السابق ليس سهلاً كما تم وصفه ، و قد لا يكون واقعياً بنظر البعض ، إلا أن مجرد التفكير فيه قد يسهم يوماً في فتح آفاقٍ مستقبلية جديدةٍ للمشاريع العلمية ، تركز على ربط العلوم بالحياة و الواقع، و تبحث عن سبلٍ جديدةٍ للرقي بالمعرفة ، و تعمل على تدريس العلوم مستندةً على المخزون الإبداعي للأطفال ، بدلاً من الاعراض عنه .

25 يوليو 2010

واقع التطوير الذاتي .. بين التعليم و متطلبات سوق العمل ..

الكاتب : وسام

Kaltoonz

مع أن الفنان خالد أجاد إيصال الفكرة في الرسم الكاريكاتوري أعلاه ، إلا أن مفتاح سوق العمل لا يستلزم دائماً وصوله إلى هذا المستوى من التطور ، مقارنةً بالمفتاح الذي يعتقد حديثوا التخرج بامتلاكه ، هذا بالطبع مع إغفال موضوع الرابط العجيب بين المناهج التعليمية و الوظيفة بشكلٍ عام ، فقد يكون باب سوق العمل موصداً أمام الشباب ، و لا يوجد به أي مكان لوضع المفتاح ، هذا إن وُجِدَ هناك بابٌ أصلاً .

نماذج كثيرة توضح هذا المعنى ، لا يكون فيها التخصص حتى سبباً في انتفاء وجود الوظيفة ، فليس هناك أعظم من أن يحمل الشاب شهادةً في الطب من جامعة وطنية ، ليعمل سائق حافلة ركابٍ صغيرة لعدة سنوات ، إلى أن يجد له مقعداً في وزارة الخدمة المدنية ، بل إن أحداً لن يستطيع لوم هذا الشاب لو وصلت به الحال إلى ترك الوطن حين يجد من يرحب بطاقاته و علمه من الدول الأجنبية .

و مع أننا نسمع و نقرأ أن الإقتصاد الوطني لم يتأثر كثيراً بالأزمة الإقتصادية العالمية لعدةِ أسباب – لست ضليعاً فيها – إلا أننا لا نجد شيئاً يؤيد ذلك ، فلا زال شبابنا بين القاعد في بيته و بين الراضي على مضض بأي وظيفة لا تحقق له أبسط أحلامه و طموحاته .

حملة البعثات الخارجية التي قدمها الوطن ، فتحت باباً آخر غير باب سوق العمل ، كما قدمت الفرص لكل من لم يتسنى له حتى إكمال تعليمه في اغتنام مقعدٍ إما كطالب أو مرافقٍ يحصل فيما بعد على البعثة ، و أيضاً مكنتهم من أن يعيشوا ثقافاتٍ أخرى قد تروق لبعضهم .

و لكن يبقى السؤال .. ماذا بعد العودة ؟ ما الفرصة التي سيجدها حامل شهادة الماجستير أو الدكتوراة الذي لم يستطع الحصول على فرصة وظيفية بشهادة البكالوريوس ؟ و مالذي سيجده حامل شهادة البكالوريوس الذي لم يُفتَح له أي باب بشهادة الدبلوم ؟ فجميعهم لا يمتلكون الخبرة ذات الخمس أو العشر سنوات التي يتغنى أصحاب العمل بترديدها و كتابتها في إعلاناتهم عند فتح باب التوظيف .

القضية لم تنتهِ بعد ، فلا زال القسم الآخر منها موجوداً . ماذا عن الشباب الذين حالفهم الحظ بإيجاد الوظيفة و العمل و الاستقرار ، إلى أي درجة يتم توظيف طاقاتهم في سوق العمل ؟ و ما هي فرص تطورهم الذاتية و الوظيفية ؟

قد ترى الغالبية العظمى في الرتابةِ الوظيفية راحة البال بالنسبة لها ، فالتطور معناه مسؤوليات أكبر ، قد يعتقد الموظف أنه في غنىً عنها ، و فكرة البحث عن اكتساب و صقل مهاراتٍ ذاتيةٍ جديدةٍ لن تكون ضمن قائمة أغلب الموظفين إذا لم يكن هناك عائدٌ مادي أو وظيفي ينتج عنها . من جانبٍ آخر نجد أن صاحب العمل نفسه يستبعد فكرة تدريب الشباب السعودي ، و يفضل إعطاء الفرصة للأجنبي كونه مكفولاً لديه و لا يستطيع ترك وظيفته إلى أخرى أفضل منها ، في مقابل الشاب السعودي الذي يستطيع السعي إلى ما هو أفضل .

نحن الآن أمام مشكلة أخرى إذن ، لأن مستوى التعليم لشبابنا تطور بشكلٍ ملحوظ إما عن طريق البعثات الخارجية ، أو عن طريق الدراسة في الجامعات و المعاهد الوطنية ، بيد أن مستوى ثقافة أصحاب العمل لا زال كما هو ، أي أن التطور كان مركزاً على تنمية الموارد البشرية للوطن فقط ، في حين أنه أغفل جانب التقدم في إدارة تلك الموارد و توظيفها بالشكل المناسب في سوق العمل .

كل هذه الأسباب تؤثر بشكلٍ سلبي على مسألة التطوير الذاتي للمهارات و المستوى التعليمي للشباب ، فهم سيشككون في مدى الفائدة المرجوة من التطوير الذاتي ، و مدى تأثيره على نجاحهم في سوق العمل ، أو على الأقل حصولهم على فرصةٍ فيه ، و خصوصاً عندما يجدون أنفسهم ضمن طوابير طويلة للتقديم  على وظيفة شاغرة ، مختزلين مؤهلاتهم في ملفات خضراء ، أو متسمرين أمام شاشات الكومبيوتر للتقديم على وظيفة قد يفصح عنها أي بريد إلكتروني عابر .

و بالنتيجة نجد أن تنمية حب التطوير الذاتي عند الشباب ، تكاد تكون مهمةً مستحيلةً إلا إذا تغيرت المفاهيم في سوق العمل ، و تبنى أصحاب الأعمال مسألة التطوير الذاتي لموظفيهم ، فاقتصاد الوطن مبني على الطاقات التي لا يجب التفريط فيها ، و لنفكر دائماً أن مهمة التطوير الذاتي عائدها معنويٌ على الذات أولاً قبل أن يفيد منه الآخرين من حولهم ..

8 يوليو 2010

رفقاً بنا .. فهناك من ينتظر عودتنا ..

الكاتب : وسام

عزيزي السائق !

تخيل نفسك حاضراً جنازة من أثكلت أمه بعد أن قرت عينها للتو بنجاحه ، أو واقفاً على نعش من أيتمت أطفاله و رمَّلت زوجته بعد أن كنت أنت السبب الرئيس في سلب روحه ، أو شاهداً على حسرة والديك بفقدك .. كيف سيكون شعورك ؟؟ و كيف ستحاكم نفسك حتى لو كنت ميتاً في ذلك الوقت ؟!

هل تعلم أنه لا يوجد عائلةٌ إلا و اكتوت بنار فقد ابنٍ لها أو معيلٍ لأفرادها ؟ بل ربما تكون أنت نفسك مكلوماً بفراق أحبةٍ لك قضوا في حادثٍ مروري ؟

هل شاهدت الفلم القصير إرهاب الشوارع ، و الذي استطاع منتجه الشاب “علاء المكتوم” تجسيد صورةٍ واقعيةٍ لحجم الكارثة التي تعيشها المملكة العربية السعودية من حيث الإصابات و الوفيات الناتجة عن الحوادث المرورية ، و برع في ربط الأرقام و مقارنتها بالحروب و الكوارث العالمية ، و لن نبالغ إذا ما اعتبرنا أننا نعيش حرباً أهليةً مع أنفسنا و ذوينا دون وعيٍ أو إدراكٍ منا ؟

قد يكون لأعمال “صيانة و تطوير” الطرق كما يحلو للمسؤولين تسميتها نصيبٌ من اعتذاراتك ، و قد تكون أعمال الطرق الغير منتهية تلك الشمَّاعة التي تعلق عليها أخطاءك ، فنحن في المنطقة الشرقية بالخصوص نكاد لا نكمل طريقاً إلا و مررنا بأكثر من تحويلة فرعية لبلوغ هدفنا المنشود ، و تذكر أن الطرق لن تُصلَح أو ترجع إلى سابق عهدها في معظم الأحيان .

ولكن هل استطعت يوماً أن ترجع إلى السبب الأساسي في أغلب تلك الحوادث ؟ و الذي يكون أنت في الغالب ، بل إنك قد تكون مفتقراً إلى الوعي اللازم للقيادة المسؤولة ، و حتى لو كان بعضنا من المداومين على السياقة الدفاعية أو الوقائية ، إلا أننا لا نملك التحكم بتمام زمام الأمور عند أي عمل غير مسؤولٍ يصدر منك ؟

هل تعلم أن نظام ساهر بتأثيره الذي قد يكون إيجابياً على هذه الكارثة التفاقمية ، لا يعدو كونه أداةً للعقاب بدلاً من زيادة وعيك ؟ و أننا لا يمكن أن نعتمد على أسلوب العقاب للقضاء على هذه المعضلة ، فقد تكون كغيرك من العباقرة في التملص من تلك الأنظمة ، و ابتكار الطرق الملتوية للهروب من العقاب ، فالنظام إذن لن يكون أكثر من أداةٍ توثيقية للأخطاء و إصدار الأحكام بناءً عليها .

هل استطعت أن تَخلٌص إلى أن القضية أعقد من مجرد نظامٍ يمكن أن يرصد ما يترائى له من أخطاء المواطنين و المقيمين ، و إغفال ما قد يكون من بعضهم ؟ وأننا نحن أمام قضيةِ وعيٍ وطنيٍ متكامل ، و نحتاج بذلك إلى نسيان كل ما “اعتدنا” عليه من أمور القيادة ، أقول اعتدنا عليه ، و الذي قد لا يكون صحيحاً بالضرورة ، و هل شعرت يوماً أنك تحتاج إلى إعادة صياغة مفهومٍ جديدٍ في فنون القيادة الراقية ، و أن تجعل حب المجتمع و أفراده قبل ذاتك الركيزة الأولى قبل كل شيء ؟

هل استوعبت يوماً أنه ينبغي لك أن تفهم أن الطريق ملكٌ للجميع ، و حقٌ مشروع للجميع أيضاً ، قبل أن تتبارى أنت و غيرك على امتلاكه ، و تتنافس مع الآخرين على أحقيته ؟ و هل أدركت مرةً مدى خطورة التصرفات الطائشة عليك قبل غيرك في الطريق ؟

أعلم كما يعلم غيري أنك كنت دائماً غير مدركٍ لأهمية الوقت ، فلماذا تصر على أهميته في القيادة ؟ في حين أنه من الأولى التأني فيها ، و لماذا تبدع في محاولات اختصار الوقت فيها ؟ و لماذا تضع في اعتبارك أنه ليس مهماً أي مسارٍ تسلك طالما أنه الأسرع في نظرك ؟ و أنه ليس عيباً أن تسلك المسار المخصص لحالات الطوارئ ، إذا كان يخدمك في الوصول السريع إلى هدفك ؟

حتى في أشد الظروف الجوية قساوةً ، تكون أنت أشد قساوةً و ضراوةً من تلك الظروف ، فلا غزارة المطر تردعك ، و لا الضباب الشديد يمنعك ، و لن يكون الغبار و لا العواصف الترابية أبداً نداً لك .

أنت تكون في أوج إبداعاتك داخل المدن ، و تحديداً عند الإشارات المرورية و التقاطعات ، فإن كنت في أقصى اليمين تخط طريقك إلى أقصى اليسار ، و إن كنت في اليسار تشق الصفوف مزاحماً من كان في المنتصف .

هل تأملت يوماً في كمِّ الأرواح التي خسرناها قبل الثروات بسبب عنجهيتك ؟ … و كمِّ الأطفال التي تيتمت و النساء  التي ترمَّلت بسبب طيشك ؟ … و كمِّ الأمهات التي أثكَلتَ و ظهور الآباء التي كَسَرتَ بقسوتك ؟ …

هل عرفتَ أننا خسرنا شباباً كانوا عماداً للمجتمع و مستقبله بسبب رعونتك ؟ .. و  أننا فقدنا طاقات كامنة حلمت بمستقبل زاهر بسبب  غرورك ؟ ..

هل تستطيع أن تحتضن طفلك و أنت تعلم أنك حرمت آخراً من أبيه ؟ .. و هل تقدر أن تُقَبِّل رأس والدتك و أنت تعلم أنك حرمت أخرى من قبلة فلذة كبدها لرأسها ؟ .. هل تنام قرير العين و أنت تعلم أن التراب أصبح سكناً لمن سلبته الحياة ؟؟

عزيزي السائق … رفقاً بنا .. فهناك من ينتظر عودتنا ..

رفقاً

* تم إضافة الشعار (من تصميم الصديق وابن العم العزيز فراس أبو السعود) و ربطه بصفحة الفيسبوك الخاصة بالحملة..

14 أبريل 2010

الحرف العربي كعنصر جمالي ..

الكاتب : وسام

هيلين عباس .. مصممة و فنانة تشكيلية سورية تقيم حالياً في دبي ، يرتبط اسمها بكثير من الأعمال الدعائية في دبي . هيلين الحاصلة على الدبلوم في الإتصال المرئي ، تعمل حالياً على سلسلة من الأعمال تجمع فيها بين الفن الرقمي و الفن التجريدي ، و يركز مشروع هيلين الجديد على الحرف العربي بخطوطه الجمالية في محاولةٍ للخروج من بوتقةِ الخط العربي بشكله المألوف .

رأيت شخصياً أعمال هيلين في جاليري ون في مجمع سيتي سنتر في البحرين ، و لأنني مهتم بفن الخط العربي و أشكاله ، استوقفتني أعمالها المطبوعة على الكانفاس (Canvas) ، و الذي أبدع جاليري ون في إظهارها بشكلها الأخاذ بسبب نوع الطباعة المستخدم في ذلك ..

بعض النماذج من أعمال هيلين :

02

06

07

12

23

1 مارس 2010

… حلم (*)

الكاتب : وسام

“حبيبي … ألم يحن الأوان لتستيقظ من النوم؟”

قالت له عندما كان غاطًّا في نومٍ عميق ، لم تأخذ تلك الكلمات حقها من الاستيعاب ، تسربت إلى أذنه لكنها لم تترتب بطريقة مناسبة في عقله ، فتح عينيه بصعوبة ، رآها واقفةً يرتسم على محياها ابتسامة دافئة رقيقة ، تزينت تلك الابتسامة بعدد من اللآليء البيضاء التي كانت مترتبة على شكل أسنان ، كانت نظرات عينيها تتحدث بأحلى كلمات العشق والغرام ، و أجفانها تعزف على رموشها أعذب النغمات .

ابتسم معتقداً أنه يعيش حلماً جميلاً لم يعتد على رؤية مثله ، طوقت يده اليمنى بكلتا يديها ، جثت على ركبتيها بجانب السرير ، وضعت راحة يده على خدها الأيسر ، كان دافئاً بعث فيه الحنان .

“هيا … قم يا عزيزي لتستحم ، بينما أعد لك وجبة الإفطار!”

لم ينطق بكلمة ، فقد كان مشدوهاً مما يحدث ، وعى أنه لم يكن يحلم ، و لكن كل الأحداث لم تكن حقيقية بالنسبة له ، أو على الأقل لم تكن الأحداث المعتادة اليومية ، و لم يكن يرغب في إيقاف ما يحدث .

بعد الاستحمام ، قام بلبس ثيابه ، و تعديل هندامه ، خرج من غرفة النوم ليجدها تنظر إليه بابتسامة عريضة أجمل من الأولى بمراحل ، راح يشبع عينيه من جمالها الأخاذ ، كانت في حلةٍ زرقاء جميلة ، تزينها حبات دقيقة من الكريستالات موزعةً على الأيادي والأكمام .

نظر إليها غير قادر على الكلام ، كان خائفاً من أن ينطق بأي كلمةٍ يمكن أن تغير مجرى ما كان يحدث ، قالت له :

“صباح الخير يا عمري ، هل نمت جيداً ؟”…

كان متصلباً في مكانه و محدقاً بمقلتيه اللتين أتعبهما التفكير في أمور كثيرة ، لم يُرِد أن يتكلم …

سألته :

“ما بك لا ترد يا قلبي … ؟؟!!”

كان سيل العبارات والكلمات التي سمعها منذ استيقظ لا يساعده على تحريك شفتيه ، ولكن بعد طول ارتباك وتفكير ، أجاب بنبرة خافتة مبحوحة :

“هاه … لا … لا شيء ،، صباح الخير حبيبتي …” …

ودون أي تفكير ، أجابته :

“صباح النور و الورد و الياسمين . أنا دائماً أكون بألف خير ما دمت أنت بخير!!”…

اتسعت حدقتا عينيه وفغر فاه من الدهشة ، و راح يكمل تساؤلاته في نفسه ، مالذي يجري ؟ وما أسباب هذه المشاعر الجياشة المفاجئة ، لكنه قرر أن يقلل من كلامه و يكثر من نظراته .

قُطِعَ حبل أفكاره عندما أمسكت بيده و أوصلته إلى المائدة ، نظر إلى المائدة فوجد أصنافاً كثيرة مرتبة بطريقة غايةٍ في الاتقان ، تنوعت الأطباق بمحتواها من البيض ، مروراً بالجبن والمربى ، وصولاً إلى القشطة ، و انتهاءًا بالحلاوة الطحينية و العسل ، هذا بالطبع إلى جانب علبة رقائق الذرة التي كانت بجانب المائدة .

“حبيبي ،، ماذا تحب أن أسكب لك ؟؟”

نظر إليها و قابلها بابتسامة هادئة ، التفت إلى جانبها فرأى بعضاً من أكياس الشاي و علبة قهوة نسكافه و شيئاً من الحليب و عدداً من أكياس قهوة الكابوتشينو سريعة التحضير بالإضافة إلى الماء الساخن والسكر .

اختار كوباً من الكابتشينو ، فأخذت كوباً و أفرغت فيه محتويات أحد الأكياس ، سكبت عليه شيئًا من الحليب ، و سألته عن كمية السكر التي يرغب بها ، فأجابها “ثلاث ملاعق صغيرة” ، سكبت الماء الساخن و قامت بخلط المحتويات ببعضها البعض .

وعندما تشكلت الرغوة العلوية في الكوب ، أخذت كمية ضئيلة من قهوة النسكافه بين اصبعيها الابهام و السبابة ورمت بها على الرغوة ، وقامت بتحريك الملعقة بشكل دائري حتى تشكلت حلقاتٌ بنية قاتمة اللون تجملت بها رغوة الكوب .

كان ينظر إليها بإمعان ، يرمق حركاتها المتقنة ، يصغي إلى ألحان الحب في كل التفاتة أو ابتسامة أو حركة ، أعطته الكوب فلم ينتبه لها ، فقالت له :

“عزيزي .. تفضل الكوب !!”

أخذ الكوب و وضعه على المائدة ، رجع يقلب نظراته بين أجزاء المائدة ، ولكنه كان أيضاً يسترق النظرات لها بين الفينة والأخرى ، ويُرجِعُ بصره على المائدة عندما تنظر إليه ، تنبهت له و قالت :

“مابك لا تأكل ؟؟!! ألا تعجبك المائدة؟؟!! “

كان لا يزال واقعاً تحت تأثير ما يحدث ، لم يعتد أن تستيقظ قبله من النوم و خصوصاً في أيام اجازته الأسبوعية ، كما أنها لم تكن تعد له الإفطار من قبل ، بل كانت الكلمات بينهما مجرد أشياءٍ يطلبها أحدهما من الآخر فقط .

أمسك بقطعة خبز وبدأ بالأكل ، كان يطيل المضغ لكي يشبع قلبه من النظر إلى حبيبته ، لم يكن الاثنان يتكلمان ، بل قررا دون سابق تخطيط أن يستمرا في الأكل و الاكتفاء بتبادل الضحكات بينهما .

بعد الافطار ، كان يراقب حركاتها و خطواتها بين أرجاء المكان ، كان يشعر كما لو كان يرى زوجته أول مرة . هي ، كانت على العكس تماماً ، كانت تحدثه و تجلس بجانبه واضعةً رأسها على كتفه ، كانت مفعمة بالحيوية والنشاط ، كانت تلمح نظرات الدهشة والاستغراب في عينيه ، لكنها لم تُرِد أن تسأله عنها .

جاء وقت الغداء ، اقترح عليها أن يخرجا ليتناولا الأكل في مطعم ما ، خرج الاثنان وركبا السيارة ، ابتدأ هو ببعض الكلمات ، و لكنها كانت صاحب نصيب الأسد من الحديث ، دخلا المطعم وطلبا الأكل ، كان تناول الافطار متأخراً سبباً في عدم أهمية ذاك الغداء بالنسبة لهما .

أكملا وجبتهما وعادا يركبان السيارة ، و بالرغم من كل الحديث الذي كان بينهما ، كان مازال راغباً في سؤالها عما طرأ عليها ، كان حبه لمعرفة أسباب الاختلاف المفاجئ يقتله ، صمت لمدة من الزمن ثم قال :

“حبيبتي ، هل لي بأن أسألك سؤالاً؟؟”

دفعها السؤال للاضطراب ، و أشاحت بوجهها بعيداً . أحس بأن هناك شيئاً خطيراً ، فقال لها :

“مابكِ ؟؟” …

أجابته :

“لا شيء … تفضل … اسأل!!” …

فقال لها :

“هل يمكنني أن أعرف سر التغيرات الكثيرة المفاجئة التي حصلت وتحصل اليوم ؟؟”

زاد اضطرابها و قالت مرتكبة :

“أأأي تغيرات؟؟”…

نظر إليها وقال:

“أنت تعرفين عن أي تغيرات أتحدث ، فأنا لم أعتد على كل هذا الاهتمام والدلال المفرط منك ، بل إنني أحس أنني أرى امرأة أخرى” …

التفتت إلى الطريق بجانبها و قالت :

“لم أفهم ماذا تعني …”

نظر إليها و ألح عليها في تكرار السؤال تباعاً ، فنظرت إليه وقالت له بغضب :

“لن أقول لك شيئاً…”

أدهشته الاجابة وقال :

“إذن هناك شيءٌ ما … ما هو ؟؟”

خيم الصمت في السيارة ، لم يشأ أن يلح عليها أكثر من ذلك . هي لم ترغب في الاجابة لكنها استدركت و قالت :

“إذا أخبرتك … ستسخر مني … “

“و لِمَ أسخر منكِ ؟؟!!” ، قال لها .

قالت له :

“حسنٌ … لقد رأيت حلماً مخيفاً في الليلة الماضية أثناء نومي فقمت مذعورة خائفة … “

فرد عليها :

“وما كان ذاك الحلم ؟؟”

قالت :

“لقد حلمت بأنك …. “

“ماذا”…

“بأنك …. بأنك تزوجت امرأة أخرى” …

لم يستطع الاحتمال فانفجر ضاحكاً ، هي طأطأت رأسها خجلاً ، و هو تمالك نفسه بعناء وقال :

“أنا آسف يا حبيبتي ، و لكن كل ما حصل اليوم كان نتيجةً لحلم !!”

هي :

“…..”

عندها فهم ما كان يجري ولكنه كان فرحاً بعواقب ذاك الحلم ، و استمر الحال على ذاك المنوال طوال اليوم ، كانت هي مستمرة في حشو جملها بكلمات الحب والعشق ، و هو فَرِحٌ لا يريد لذاك اليوم أن ينتهي .

********

في اليوم التالي ، استيقظ هو من النوم باكراً عند الساعة الثامنة صباحاً ، كانت هي مازالت نائمة ، استحم و لبس ملابسه ، لم يشأ أن يتناول الافطار قبلها ، استمر في انتظارها لكنها لم تُفِق قبل الظهر .

سمع أصواتاً في المطبخ ، فقام ليراها فإذا بها تتناول افطارها ، نظر إليها وقال :

“حبيبتي ، كنت …. أنتظرك ، فلم أشأ أن أَفطِر قبلك!!”

فقالت له :

“أمامك المطبخ ولك حرية التصرف في فعل وأكل ما تريد”..

أمعن النظر في عينها مشدوهاً مما سمع ، لكنه قام بإعداد شيء له ، راحت هي تشاهد التلفاز ، لحق بها وبدأ بالحديث معها :

“كيف كان نومك ؟؟”

“جيد!!” ، ردت ببلادة …

“مابكِ حبيبتي ، يظهر عليك الضيق!!”

“لاشيء ،، ماذا ترى انت ؟؟”

استغرب ردها الثقيل ، فقرر السكوت .

قامت بعدها و أبدلت ملابسها ، وقدمت إليه و قالت :

“قم و أوصلني ، لدي عدد من المشاوير لأقوم بها…”

هو كان متساءلاً عما غير حال الأمس ، لكنه لم يشأ أن يُزِد في الكلام أكثر …

“ألن نتناول الغداء مع بعضنا اليوم أيضاً ؟؟!!” ، سألها …

قالت :

“لا ، فأنا سأذهب إلى بيت أهلي لأجلس مع إخوتي ووالديَّ على مائدة الغداء”

فقال لها :

“وأنا ، أين أتناول غداءي ؟؟!!”

أجابته :

“يمكنك أن تأتي معنا فهناك متسع ، أو يمكنك الذهاب إلى بيت أهلك والأكل معهم” …

لم يُرِد أن يكثر الحديث ، لبس ملابسه وخرجا ، ركبا السيارة وشغلها ، ثم قال لها :

“حبيبتي ، ماذا كان حلمك البارحة؟؟”

(*) خربشات من أرشيفي القديم .. بتاريخ 5 يونيو 2006 …

13 يناير 2010

تأملاتٌ في الواقع الطفولي ..

الكاتب : وسام

طفلٌ في السابعة من عمره ، يجلس أمام منزله وحيداً ، يمسك بملقاطٍ حديدي يقلب به الفحم المشتعل فوق موقد الغاز الصغير ، كان يرتدي سترةً قطنيةً طويلة الأكمام ليقيَ نفسه من الهواء البارد تلك الليلة ، كان شررُ النارِ يتطاير هنا وهناك .. بينما يستمر هو بمراقبة الجمر و اللعب به .

كنت أقود سيارتي و برفقتي خالي عندما رأينا ذلك الطفل ، لم يرقنا منظره وحيداً و هو يلعب بالنار ، فطلب مني خالي الرجوع للتأكد من سلامته ..

توقفنا عند منزل الطفل ، و سألناه عن سبب بقاءه وحيداً في الخارج ، و عما إذا كان والده موجوداً .. فأجاب بكل براءةٍ بأن والده في عمله ، و كل الموجودين في المنزل هم “الحريم” حسب تعبيره ، و أنه يجلس منتبهاً للفحم المشتعل بطلبٍ من خاله الذي تركه و خرج لإنهاء بعض الأعمال ريثما يجهز الجمر ..

قام خالي بقرع الجرس وإبلاغ أهل الطفل عن جلوسهِ وحيداً في الخارج ، و عن خطورة بقاءه بالقرب من الجمر و اللعب به .. طلبنا بعد ذلك من الطفل الدخول إلى البيت ، فلم يكن منه إلا أن قال :

لا !! لازم انتبه للفحم علشان بيعسلون!!

إذا ما أغفلنا جانب الشيشة في الموضوع ، فالطفل كان معرضاً بشكلٍ كبيرٍ إلى الإصابةِ بالحروق ، وذلك بسببِ توفر العوامل الضرورية .. الهواء و النار و السترةُ القطنية التي كانت تغطي يده إلى أصابعه ، فأي شرارةٍ تصيبه كانت ستنشر النار بكل تأكيدٍ في ثيابه .

أما إذا عدنا لجانب الشيشة في الموضوع ، فلست بصدد الحديث عن أضرارها أو آثارها السلبية ، و لن أحاول إنكار ذلك على المداومين عليهما ، لكن جل اهتمامي هنا هو قتل براءة الأطفال بأفعال طائشة كتلك ..

لم يُقدِم خالُ ذلك الطفل على تعريض ابن اخته لخطر الحروق فحسب ، و إنما انتهك صفاء روحه و براءته ، فقد كان جواب الطفل بأن انتباهه للجمر ضروريٌ لمساعدتهم على إعداد الشيشة فيما بعد ، أي أن الطفل اعتاد مشاهدتهم و الجلوس معهم حين يدخنون تلك الأداة .

مؤكدٌ أن خال الطفل لا يعي مدى تأثيره السلبي على ابن أخته من الناحيتين الصحيةِ و النفسيةِ ، لأن “الخال والدٌ” كما يقول المثل .. وإلا فلا يُعقَلُ أن يُقدِمَ والدٌ واعٍ على الإِضرار بولده بهذا الشكل .

فالضرر من الناحيةِ الصحيةِ ، يكمن في اعتبار الطفل مدخناً سلبياً ، و هذا يعني أنه مستنشقٌ لدخان التبغ المنفوث من قبلِ المدخنين ، و لا يخفى ذلك إذا ما عرفنا أن هذا الدخان يحتوي على موادٍ ذاتِ درجةٍ عاليةٍ من السُميَّة . أما الضرر من الناحية النفسية فيكمن في نشأةِ الطفل على مايعتادُ عليه ، أي أن فطرة الطفل من حيث التفريق بين الصواب والخطأ تتزعزع نتيجةً لرؤية مظاهر المدخنين و التعود عليهم ..

و قد يحصل تأثيرٌ مماثلٌ أيضاً عندما يرسل الأب طفله الصغير لشراء علبة سجائر ، لأنه يُوَلِّدُ في الطفل حب الفضول و تجربة تلك السجائر ، و عندها لن يستطيع منعه منها أو تأنيبه عليها ، لأن الوالد ببساطة يكون غير مؤهلٍ لذلك :

لا تَنهَ عَن خُلُقٍ و تأتي مثله … عَارٌ عَلَيكَ إِذا فَعَلتَ عَظِيمُ

تنشئة الطفل على العادات السيئة لا يمكن أن ينتج عنها إلا نفس العادات ، هذا إن لم تتولد عاداتٌ أسوأ منها مع الزمن ، فتقليد الكبار سيظل سمةً يتحفنا بها صغار السن ، و تجربة الأشياء بالنسبة لهم هي مغامرة بحد ذاتها ، و في معظم الحالات نجد الأطفال غير واعين لما ستحمله لهم نتائج تجاربهم تلك .

و من جهةٍ أخرى ، قد يكون الكبار ذاتهم غافلين عن مدى تأثير عاداتهم سلباً على الصغار ، فقد تكون تلك العادات سلوكيةً كعدم احترام القوانين المرورية أو إطلاق الألفاظ النابية أو عدم احترام النظام أو الآخرين ، وقد يكون بعضها دينيةً كالتأخر عن أو ترك أداء الصلاة أو الإستخفاف بالطهارة مثلاً .

كل شخصٍ يحمل في ذاته طاقةً إبداعيةً بدرجةٍ معينة ، و كذلك الأطفال أيضاً ، فاستثمار تلك الطاقة الإبداعية ضروري لبناء شخصية الطفل من ناحية ، و تنمية القدرة الفكرية من ناحيةٍ أخرى ، مما يؤدي بدوره إلى حثه على البحث عن سبلٍ لتطوير الحياة و الرقي فيما بعد .

و بالرغم من توفر عوامل كثيرةٍ لدينا في هذا العصر ، منها العوامل التقنية و العلمية و المعرفية ، إلا أننا لا نزال قابعين تحت مظلة العالم الثالث ، و لا نزال مستهلكين لجميع العدد التقنية المتقدمة كالإنترنت و الهاتف النقال و غيرها ، و استثمار ذلك في اللهو وإضاعة الوقت ، ربما لأننا سنظل مُركزِين إبداعاتنا في إيجاد الحد السيء للعلم و استغلاله بدلاً من الحد الجيد و استثماره .

فالطفل في قصتنا هو ضحيةٌ لاستهتار خاله ، و بالنظر إلى موقفه لا يمكن أن أرى أي عذر يبرر ما اقترفه في حق ابن اخته ، و لا أعتقد أن الطفل سينمي حبه للكيمياء مثلاً حين يلعب بالجمر ، أو سيغدو طبيباً يخترع علاجاً لداء التدخين مثلاً .. هذا و الله أعلم ..

هي إذن دعوةٌ لإعادةِ النظرِ في سلوكياتنا و توابعها ، فأطفال اليوم هم رجال و نساء المستقبل ، لنستثمر طاقاتهم اليوم لنحصد عطاءاتهم فيما بعد ، و لنساعدهم في بناء مستقبلٍ أفضل مما نحن فيه ، و إنشاء بيئةٍ أنقى من هذه البيئة ، و إعداد أجيالٍ تفخر بها البشرية .. عَلَّنَا نعود و نساعد في تنمية البشرية من جديد كما كان العرب الأولون سابقاً ..