أحجية الضوء

… حلم (*)

“حبيبي … ألم يحن الأوان لتستيقظ من النوم؟”

قالت له عندما كان غاطًّا في نومٍ عميق ، لم تأخذ تلك الكلمات حقها من الاستيعاب ، تسربت إلى أذنه لكنها لم تترتب بطريقة مناسبة في عقله ، فتح عينيه بصعوبة ، رآها واقفةً يرتسم على محياها ابتسامة دافئة رقيقة ، تزينت تلك الابتسامة بعدد من اللآليء البيضاء التي كانت مترتبة على شكل أسنان ، كانت نظرات عينيها تتحدث بأحلى كلمات العشق والغرام ، و أجفانها تعزف على رموشها أعذب النغمات .

ابتسم معتقداً أنه يعيش حلماً جميلاً لم يعتد على رؤية مثله ، طوقت يده اليمنى بكلتا يديها ، جثت على ركبتيها بجانب السرير ، وضعت راحة يده على خدها الأيسر ، كان دافئاً بعث فيه الحنان .

“هيا … قم يا عزيزي لتستحم ، بينما أعد لك وجبة الإفطار!”

لم ينطق بكلمة ، فقد كان مدهوشاً مما يحدث ، وعى أنه لم يكن يحلم ، و لكن كل الأحداث لم تكن حقيقية بالنسبة له ، أو على الأقل لم تكن الأحداث المعتادة اليومية ، و لم يكن يرغب في إيقاف ما يحدث .

بعد الاستحمام ، قام بلبس ثيابه ، و تعديل هندامه ، خرج من غرفة النوم ليجدها تنظر إليه بابتسامة عريضة أجمل من الأولى بمراحل ، راح يشبع عينيه من جمالها الأخاذ ، كانت في حلةٍ زرقاء جميلة ، تزينها حبات دقيقة من الكريستالات موزعةً على الأيادي والأكمام .

نظر إليها غير قادر على الكلام ، كان خائفاً من أن ينطق بأي كلمةٍ يمكن أن تغير مجرى ما كان يحدث ، قالت له :

“صباح الخير يا عمري ، هل نمت جيداً ؟”…

كان متصلباً في مكانه و محدقاً بمقلتيه اللتين أتعبهما التفكير في أمور كثيرة ، لم يُرِد أن يتكلم …

سألته :

“ما بك لا ترد يا قلبي … ؟؟!!”

كان سيل العبارات والكلمات التي سمعها منذ استيقظ لا يساعده على تحريك شفتيه ، ولكن بعد طول ارتباك وتفكير ، أجاب بنبرة خافتة مبحوحة :

“هاه … لا … لا شيء ،، صباح الخير حبيبتي …” …

ودون أي تفكير ، أجابته :

“صباح النور و الورد و الياسمين . أنا دائماً أكون بألف خير ما دمت أنت بخير!!”…

اتسعت حدقتا عيناه وفغر فاه من الدهشة ، و راح يكمل تساؤلاته في نفسه ، مالذي يجري ؟ وما أسباب هذه المشاعر الجياشة المفاجئة ، لكنه قرر أن يقلل من كلامه و يكثر من نظراته .

قُطِعَ حبل أفكاره عندما أمسكت بيده و أوصلته إلى المائدة ، نظر إلى المائدة فوجد أصنافاً كثيرة مرتبة بطريقة غايةٍ في الاتقان ، تنوعت الأطباق بمحتواها من البيض ، مروراً بالجبن والمربى ، وصولاً إلى القشطة ، و انتهاءًا بالحلاوة الطحينية و العسل ، هذا بالطبع إلى جانب علبة رقائق الذرة التي كانت بجانب المائدة .

“حبيبي ،، ماذا تحب أن أسكب لك ؟؟”

نظر إليها و قابلها بابتسامة هادئة ، التفت إلى جانبها فرأى بعضاً من أكياس الشاي و علبة قهوة نسكافه و شيئاً من الحليب و عدداً من أكياس قهوة الكابوتشينو سريعة التحضير بالإضافة إلى الماء الساخن والسكر .

اختار كوباً من الكابتشينو ، فأخذت كوباً و أفرغت فيه محتويات أحد الأكياس ، سكبت عليه شيئًا من الحليب ، و سألته عن كمية السكر التي يرغب بها ، فأجابها “ثلاث ملاعق صغيرة” ، سكبت الماء الساخن و قامت بخلط المحتويات ببعضها البعض .

وعندما تشكلت الرغوة العلوية في الكوب ، أخذت كمية ضئيلة من قهوة النسكافه بين اصبعيها الابهام و السبابة ورمت بها على الرغوة ، وقامت بتحريك الملعقة بشكل دائري حتى تشكلت حلقاتٌ بنية قاتمة اللون تجملت بها رغوة الكوب .

كان ينظر إليها بإمعان ، يرمق حركاتها المتقنة ، يصغي إلى ألحان الحب في كل التفاتة أو ابتسامة أو حركة ، أعطته الكوب فلم ينتبه لها ، فقالت له :

“عزيزي .. تفضل الكوب !!”

أخذ الكوب و وضعه على المائدة ، رجع يقلب نظراته بين أجزاء المائدة ، ولكنه كان أيضاً يسترق النظرات لها بين الفينة والأخرى ، ويُرجِعُ بصره على المائدة عندما تنظر إليه ، تنبهت له و قالت :

“مابك لا تأكل ؟؟!! ألا تعجبك المائدة؟؟!! “

كان لا يزال واقعاً تحت تأثير ما يحدث ، لم يعتد أن تستيقظ قبله من النوم و خصوصاً في أيام اجازته الأسبوعية ، كما أنها لم تكن تعد له الإفطار من قبل ، بل كانت الكلمات بينهما مجرد أشياءٍ يطلبها أحدهما من الآخر فقط .

أمسك بقطعة خبز وبدأ بالأكل ، كان يطيل المضغ لكي يشبع قلبه من النظر إلى حبيبته ، لم يكن الاثنان يتكلمان ، بل قررا دون سابق تخطيط أن يستمرا في الأكل و الاكتفاء بتبادل الضحكات بينهما .

بعد الافطار ، كان يراقب حركاتها و خطواتها بين أرجاء المكان ، كان يشعر كما لو كان يرى زوجته أول مرة . هي ، كانت على العكس تماماً ، كانت تحدثه و تجلس بجانبه واضعةً رأسها على كتفه ، كانت مفعمة بالحيوية والنشاط ، كانت تلمح نظرات الدهشة والاستغراب في عينيه ، لكنها لم تُرِد أن تسأله عنها .

جاء وقت الغداء ، اقترح عليها أن يخرجا ليتناولا الأكل في مطعم ما ، خرج الاثنان وركبا السيارة ، ابتدأ هو ببعض الكلمات ، و لكنها كانت صاحب نصيب الأسد من الحديث ، دخلا المطعم وطلبا الأكل ، كان تناول الافطار متأخراً سبباً في عدم أهمية ذاك الغداء بالنسبة لهما .

أكملا وجبتهما وعادا يركبان السيارة ، و بالرغم من كل الحديث الذي كان بينهما ، كان مازال راغباً في سؤالها عما طرأ عليها ، كان حبه لمعرفة أسباب الاختلاف المفاجئ يقتله ، صمت لمدة من الزمن ثم قال :

“حبيبتي ، هل لي بأن أسألك سؤالاً؟؟”

دفعها السؤال للاضطراب ، و أشاحت بوجهها بعيداً . أحس بأن هناك شيئاً خطيراً ، فقال لها :

“مابكِ ؟؟” …

أجابته :

“لا شيء … تفضل … اسأل!!” …

فقال لها :

“هل يمكنني أن أعرف سر التغيرات الكثيرة المفاجئة التي حصلت وتحصل اليوم ؟؟”

زاد اضطرابها و قالت مرتكبة :

“أأأي تغيرات؟؟”…

نظر إليها وقال:

“أنت تعرفين عن أي تغيرات أتحدث ، فأنا لم أعتد على كل هذا الاهتمام والدلال المفرط منك ، بل إنني أحس أنني أرى امرأة أخرى” …

التفتت إلى الطريق بجانبها و قالت :

“لم أفهم ماذا تعني …”

نظر إليها و ألح عليها في تكرار السؤال تباعاً ، فنظرت إليه وقالت له بغضب :

“لن أقول لك شيئاً…”

أدهشته الاجابة وقال :

“إذن هناك شيءٌ ما … ما هو ؟؟”

خيم الصمت في السيارة ، لم يشأ أن يلح عليها أكثر من ذلك . هي لم ترغب في الاجابة لكنها استدركت و قالت :

“إذا أخبرتك … ستسخر مني … “

“و لِمَ أسخر منكِ ؟؟!!” ، قال لها .

قالت له :

“حسنٌ … لقد رأيت حلماً مخيفاً في الليلة الماضية أثناء نومي فقمت مذعورة خائفة … “

فرد عليها :

“وما كان ذاك الحلم ؟؟”

قالت :

“لقد حلمت بأنك …. “

“ماذا”…

“بأنك …. بأنك تزوجت امرأة أخرى” …

لم يستطع الاحتمال فانفجر ضاحكاً ، هي طأطأت رأسها خجلاً ، و هو تمالك نفسه بعناء وقال :

“أنا آسف يا حبيبتي ، و لكن كل ما حصل اليوم كان نتيجةً لحلم !!”

هي :

“…..”

عندها فهم ما كان يجري ولكنه كان فرحاً بعواقب ذاك الحلم ، و استمر الحال على ذاك المنوال طوال اليوم ، كانت هي مستمرة في حشو جملها بكلمات الحب والعشق ، و هو فَرِحٌ لا يريد لذاك اليوم أن ينتهي .

********

في اليوم التالي ، استيقظ هو من النوم باكراً عند الساعة الثامنة صباحاً ، كانت هي مازالت نائمة ، استحم و لبس ملابسه ، لم يشأ أن يتناول الافطار قبلها ، استمر في انتظارها لكنها لم تُفِق قبل الظهر .

سمع أصواتاً في المطبخ ، فقام ليراها فإذا بها تتناول افطارها ، نظر إليها وقال :

“حبيبتي ، كنت …. أنتظرك ، فلم أشأ أن أَفطِر قبلك!!”

فقالت له :

“أمامك المطبخ ولك حرية التصرف في فعل وأكل ما تريد”..

أمعن النظر في عينها مشدوهاً مما سمع ، لكنه قام بإعداد شيء له ، راحت هي تشاهد التلفاز ، لحق بها وبدأ بالحديث معها :

“كيف كان نومك ؟؟”

“جيد!!” ، ردت ببلادة …

“مابكِ حبيبتي ، يظهر عليك الضيق!!”

“لاشيء ،، ماذا ترى انت ؟؟”

استغرب ردها الثقيل ، فقرر السكوت .

قامت بعدها و أبدلت ملابسها ، وقدمت إليه و قالت :

“قم و أوصلني ، لدي عدد من المشاوير لأقوم بها…”

هو كان متساءلاً عما غير حال الأمس ، لكنه لم يشأ أن يُزِد في الكلام أكثر …

“ألن نتناول الغداء مع بعضنا اليوم أيضاً ؟؟!!” ، سألها …

قالت :

“لا ، فأنا سأذهب إلى بيت أهلي لأجلس مع إخوتي ووالديَّ على مائدة الغداء”

فقال لها :

“وأنا ، أين أتناول غداءي ؟؟!!”

أجابته :

“يمكنك أن تأتي معنا فهناك متسع ، أو يمكنك الذهاب إلى بيت أهلك والأكل معهم” …

لم يُرِد أن يكثر الحديث ، لبس ملابسه وخرجا ، ركبا السيارة وشغلها ، ثم قال لها :

“حبيبتي ، ماذا كان حلمك البارحة؟؟”

(*) خربشات من أرشيفي القديم .. بتاريخ 5 يونيو 2006 …

تأملاتٌ في الواقع الطفولي ..

طفلٌ في السابعة من عمره ، يجلس أمام منزله وحيداً ، يمسك بملقاطٍ حديدي يقلب به الفحم المشتعل فوق موقد الغاز الصغير ، كان يرتدي سترةً قطنيةً طويلة الأكمام ليقيَ نفسه من الهواء البارد تلك الليلة ، كان شررُ النارِ يتطاير هنا وهناك .. بينما يستمر هو بمراقبة الجمر و اللعب به .

كنت أقود سيارتي و برفقتي خالي عندما رأينا ذلك الطفل ، لم يرقنا منظره وحيداً و هو يلعب بالنار ، فطلب مني خالي الرجوع للتأكد من سلامته ..

توقفنا عند منزل الطفل ، و سألناه عن سبب بقاءه وحيداً في الخارج ، و عما إذا كان والده موجوداً .. فأجاب بكل براءةٍ بأن والده في عمله ، و كل الموجودين في المنزل هم “الحريم” حسب تعبيره ، و أنه يجلس منتبهاً للفحم المشتعل بطلبٍ من خاله الذي تركه و خرج لإنهاء بعض الأعمال ريثما يجهز الجمر ..

قام خالي بقرع الجرس وإبلاغ أهل الطفل عن جلوسهِ وحيداً في الخارج ، و عن خطورة بقاءه بالقرب من الجمر و اللعب به .. طلبنا بعد ذلك من الطفل الدخول إلى البيت ، فلم يكن منه إلا أن قال :

لا !! لازم انتبه للفحم علشان بيعسلون!!

إذا ما أغفلنا جانب الشيشة في الموضوع ، فالطفل كان معرضاً بشكلٍ كبيرٍ إلى الإصابةِ بالحروق ، وذلك بسببِ توفر العوامل الضرورية .. الهواء و النار و السترةُ القطنية التي كانت تغطي يده إلى أصابعه ، فأي شرارةٍ تصيبه كانت ستنشر النار بكل تأكيدٍ في ثيابه .

أما إذا عدنا لجانب الشيشة في الموضوع ، فلست بصدد الحديث عن أضرارها أو آثارها السلبية ، و لن أحاول إنكار ذلك على المداومين عليهما ، لكن جل اهتمامي هنا هو قتل براءة الأطفال بأفعال طائشة كتلك ..

لم يُقدِم خالُ ذلك الطفل على تعريض ابن اخته لخطر الحروق فحسب ، و إنما انتهك صفاء روحه و براءته ، فقد كان جواب الطفل بأن انتباهه للجمر ضروريٌ لمساعدتهم على إعداد الشيشة فيما بعد ، أي أن الطفل اعتاد مشاهدتهم و الجلوس معهم حين يدخنون تلك الأداة .

مؤكدٌ أن خال الطفل لا يعي مدى تأثيره السلبي على ابن أخته من الناحيتين الصحيةِ و النفسيةِ ، لأن “الخال والدٌ” كما يقول المثل .. وإلا فلا يُعقَلُ أن يُقدِمَ والدٌ واعٍ على الإِضرار بولده بهذا الشكل .

فالضرر من الناحيةِ الصحيةِ ، يكمن في اعتبار الطفل مدخناً سلبياً ، و هذا يعني أنه مستنشقٌ لدخان التبغ المنفوث من قبلِ المدخنين ، و لا يخفى ذلك إذا ما عرفنا أن هذا الدخان يحتوي على موادٍ ذاتِ درجةٍ عاليةٍ من السُميَّة . أما الضرر من الناحية النفسية فيكمن في نشأةِ الطفل على مايعتادُ عليه ، أي أن فطرة الطفل من حيث التفريق بين الصواب والخطأ تتزعزع نتيجةً لرؤية مظاهر المدخنين و التعود عليهم ..

و قد يحصل تأثيرٌ مماثلٌ أيضاً عندما يرسل الأب طفله الصغير لشراء علبة سجائر ، لأنه يُوَلِّدُ في الطفل حب الفضول و تجربة تلك السجائر ، و عندها لن يستطيع منعه منها أو تأنيبه عليها ، لأن الوالد ببساطة يكون غير مؤهلٍ لذلك :

لا تَنهَ عَن خُلُقٍ و تأتي مثله … عَارٌ عَلَيكَ إِذا فَعَلتَ عَظِيمُ

تنشئة الطفل على العادات السيئة لا يمكن أن ينتج عنها إلا نفس العادات ، هذا إن لم تتولد عاداتٌ أسوأ منها مع الزمن ، فتقليد الكبار سيظل سمةً يتحفنا بها صغار السن ، و تجربة الأشياء بالنسبة لهم هي مغامرة بحد ذاتها ، و في معظم الحالات نجد الأطفال غير واعين لما ستحمله لهم نتائج تجاربهم تلك .

و من جهةٍ أخرى ، قد يكون الكبار ذاتهم غافلين عن مدى تأثير عاداتهم سلباً على الصغار ، فقد تكون تلك العادات سلوكيةً كعدم احترام القوانين المرورية أو إطلاق الألفاظ النابية أو عدم احترام النظام أو الآخرين ، وقد يكون بعضها دينيةً كالتأخر عن أو ترك أداء الصلاة أو الإستخفاف بالطهارة مثلاً .

كل شخصٍ يحمل في ذاته طاقةً إبداعيةً بدرجةٍ معينة ، و كذلك الأطفال أيضاً ، فاستثمار تلك الطاقة الإبداعية ضروري لبناء شخصية الطفل من ناحية ، و تنمية القدرة الفكرية من ناحيةٍ أخرى ، مما يؤدي بدوره إلى حثه على البحث عن سبلٍ لتطوير الحياة و الرقي فيما بعد .

و بالرغم من توفر عوامل كثيرةٍ لدينا في هذا العصر ، منها العوامل التقنية و العلمية و المعرفية ، إلا أننا لا نزال قابعين تحت مظلة العالم الثالث ، و لا نزال مستهلكين لجميع العدد التقنية المتقدمة كالإنترنت و الهاتف النقال و غيرها ، و استثمار ذلك في اللهو وإضاعة الوقت ، ربما لأننا سنظل مُركزِين إبداعاتنا في إيجاد الحد السيء للعلم و استغلاله بدلاً من الحد الجيد و استثماره .

فالطفل في قصتنا هو ضحيةٌ لاستهتار خاله ، و بالنظر إلى موقفه لا يمكن أن أرى أي عذر يبرر ما اقترفه في حق ابن اخته ، و لا أعتقد أن الطفل سينمي حبه للكيمياء مثلاً حين يلعب بالجمر ، أو سيغدو طبيباً يخترع علاجاً لداء التدخين مثلاً .. هذا و الله أعلم ..

هي إذن دعوةٌ لإعادةِ النظرِ في سلوكياتنا و توابعها ، فأطفال اليوم هم رجال و نساء المستقبل ، لنستثمر طاقاتهم اليوم لنحصد عطاءاتهم فيما بعد ، و لنساعدهم في بناء مستقبلٍ أفضل مما نحن فيه ، و إنشاء بيئةٍ أنقى من هذه البيئة ، و إعداد أجيالٍ تفخر بها البشرية .. عَلَّنَا نعود و نساعد في تنمية البشرية من جديد كما كان العرب الأولون سابقاً ..

الشباب – المستقبل .. الحلقة الأضعف!!

أوجد حل المسألة الحسابية التالية :

المعطيات :

عبدالله (*) موظفٌ يعمل في إحدى الشركات بدوامٍ يبدأ من الساعة السابعة صباحاً و حتى الخامسة عصراً من السبت إلى الأربعاء ، و من الساعة السابعة صباحاً إلى الواحدة ظهراً يوم الخميس ، و يتقاضى راتباً شهرياً يبلغ 10 آلاف ريالٍ (متضمنةً جميع البدلات) .

عبدالله شابٌ جامعي في العقد الثالث من عمره متزوج و أبٌ لطفلين أعمارهم بين السنة و الثلاث سنوات ، يسكن في شقةٍ إيجارها السنوي 28 ألف ريالٍ تدفع على مرحلتين ، لذا يتوجب عليه ادخار مبلغ شهري مقداره 2334 ريالاً تقريباً للتمكن من دفع إيجار شقته في مواعيده المحددة .

يدفع عبدالله قسطاً شهرياً لسيارته يبلغ 1500 ريالٍ و بقي له ثلاث سنواتٍ ليكمل باقي الأقساط ، كما ينفقُ ما معدله 3000 ريال لمستلزمات الحياة الأخرى في الوقت الراهن !!.

يخطط عبدالله إلى شراء قطعة أرضٍ ليبني فيها بيت أحلامه أو بيت العمر كما يحلو للبعض تسميته ، هو يستطيع اقتراض مبلغٍ لا يتجاوز 130 ألف ريالٍ كتمويلٍ شخصي من البنك يُدفَعُ على خمس سنوات ، إلا أن هذا المبلغ غير كافٍ لشراء أي شيء يطلق عليه اسم أرض ، فأسعار قطع الأراضي في مدينته تتراوح بين 400 ألفٍ إلى المليون ريال .

و بالنظر إلى نسبة ارتفاع الأسعار خلال الخمس سنواتٍ الماضية و التي بلغت 200 % تقريباً ، فإن أي تأخرٍ في الشراء ليس في صالحه ، كما لا يوجد ما يضمن له بقاء مبلغ إيجاره على هذا الحال .

المطلوب :

إذا افترضنا أن عبدالله يحصل على زيادة سنوية تبلغ 5% من راتبه ، احسب في أي جيل من أجيال شجرة عائلته سيتمكن من شراء قطعة أرض ، و في أي جيل ستتمكن العائلة من بناء منزل العمر على تلك القطعة ؟

***********************************

هناك حالاتٌ كثيرةٌ أشد بؤساً من حالة عبدالله تعيش بيننا كل يوم ، فالبعض بالكاد يحصل على ما يسد به رمق عائلته بدخل شهري ثابت لا يتجاوز 1500 ريال ، و يعمل في أكثر من عملٍ منذ قيامه فجراً و حتى ساعاتٍ متأخرة من الليل ، يُضَحِّي بوقته مع عائلته طمعاً في توفير سبل الحياة لهم و الإبتعاد عن سؤال الغير ، إلا أن اختيار هذه الحالة هو مجرد افتراضٍ يدعو للجدل و البحث في المفارقات ، فراتب عبدالله و إن كان ممتازاً في نظر البعض ، إلا أنه غير كافٍ لحصوله على ضمان العيش الكريم له و لأفراد عائلته .

نحن إذن لا نبالغ إن أغرقنا في التشاؤم لوهلة ، فالواقع المعيشي بالنسبة للكثيرين لا يعدو كونه واقعاً محبطاً مثيراً للبؤس ، فالشباب في عصرنا الحاضر يعيشون تحت ضغطٍ كبيرٍ يبدأ بمسؤولية الزواج و تكوين العائلة ، ثم توفير الإحتياجات الأساسية لهم من اللباس و الطعام و المسكن ، وصولاً إلى تطويع أنفسهم للعيش تحت ظروف التقلبات الإقتصادية للحياة من جهة ، و بين البحث عن ذواتهم و تطويرها من جهة أخرى ، و التي قد تُنسى في أغلب الحالات .

أمثلةٌ حياتيةٌ كثيرةٌ تدعونا إلى التأمل في ما سيؤول إليه مستقبل أبناءنا ، فأصحاب العقارات السكنية هم تجارٌ في الأساس ، و لن يدخر أغلبهم جهداً في رفع مبالغ الإيجارات كلما سنحت لهم الفرصة ، و أصحاب الأراضي يضعون أرقاماً فلكية بالنسبة للكثيرين حين عرض أراضيهم للبيع ، و أصحاب البيوت قد وجدوا بالفعل مكاناً لهم في هذا المضمار ليعرضوا بيوتهم بأرقامٍ لا تنمتي إلى {ح} .

إيراد المثال أعلاه عن السكن ما هو إلا نموذج من نماذج العقبات الكثيرة و المعضلات التي تواجه الشباب ، فالزوج و الزوجة يتكبدان العمل للإنفاق على الأولاد وعلى أنفسهم ، و قد يتغرب أحدهما طلباً للقمة عيش أفضل ، أو فقط لأن الفرصة الوظيفية الوحيدة أجبرته أو أجبرتها على الذهاب بعيداً .

طموح الشباب – المتحمل للمسؤولية ، بات حصراً على أمورٍ حياتيةٍ معينةٍ ، ترغمه على الإعراض عن أمورٍ مهمشةٍ في نظر المجتمع ، كمواصلة التعليم ، أو الخدمة الإجتماعية ، أو حتى التطور الثقافي .. بمعنى آخر ، هي الأمور التي لا تكون مصدر دخلٍ مساعدٍ في تحقيق بعض المتطلبات .

فنحن كنا سابقاً نتشدق بعبارة “الشباب عماد المستقبل” ، غير أن العماد أضحت قصباً خاوياً معظم الأحيان ، أو عماداً لنفسه وعائلته فقط في أحيانٍ أخرى ، فكيف يمكن للشباب أن يبنوا مستقبلاً غير جاهز لاستقبالهم من الأساس ؟ و كيف يمكن لهم العمل بإخلاص في وظائفهم المختلفة إذا لم يوفر لهم عملهم حاجاتهم الأساسية ؟

لم تعد المؤهلات العلمية سبباً يُعتدُ به هذه الأيام ، للحصول على دخلٍ محترم ، فالجامعي يحصل على راتبٍ يعادل 5000 أو 6000 أو حتى أقل من ذلك ، في حين أن التاجر ممن لم يحقق شهادةً تعليمية يحقق أضعاف ذلك في اليوم الواحد .. و لانقول أن هذا عيباً بالطبع ..

بل ربما سنشهد عزوفاً عن التعليم بعد عدة سنوات من الآن ، فالشركات و المؤسسات الحكومية و الخاصة لم تعد جاهزة لاستقبال حديثي التخرج ، و حتى إن فَرضَ عليهم مكتب العمل و العمال نسبةً معينةً من السعودة ، إلا أن أصحاب الأعمال يثقون بشكل عام بالأجنبي لضمان مكوثه في الشركة ، و يرون في الموظف السعودي مغادراً عند أول فرصة يحصل فيها على عرضٍ أفضل .

فقليلةٌ هي الجهات التي تُعنَى بالتطوير الوظيفي و تهتم بالموظف كإنسان قبل اعتباره آلة عمل ، فكم شركةً أو مؤسسةً تضع نصب عينيها أن الشاب السعودي لبنةٌ من لبنات الوطن ؟ و كذا الشابة ، و يستطيع كلٌ منهما خدمة الوطن بشكلٍ أفضل عند إعداده بشكل جيد .. و كم جهة عمل تعطي الموظف ما يحتاج لضمان مكوثه قبل الأجنبي ؟

حري بنا إيجاد مكتبٍ لتنمية الموارد البشرية في الوطن قبل إيجاد مكتبٍ للعمل و العمال ، فمعظم جهات العمل محترفون في إيجاد الثغرات لقوانين العمال لسرقة جهد الموظف ما أمكنهم ذلك .

يبقى الأمان الوظيفي كالحبل السري بين الشركات و الشاب أو الشابة، و يبقى الموظف كالطفل الذي يخاف الخروج إلى العالم حين انقطاع ذلك الحبل ، فهل يقطع الشاب هذا الحبل و يخرج بنفسه ؟ أم ينتظر سن التقاعد ليبدأ تحقيق ما أخفق فيه خلال فترة عمله ؟

إذن فعبدالله في مثالنا أعلاه يجسد واقع الشباب الذين كبروا و كبرت طموحاتهم ، فسعوا إلى تحقيقها حتى اصطدموا بأرض الواقع ، ووأدوا أحلامهم بأيديهم حتى لا يقتلها الغير أمام أعينهم ..

ملاحظة : عبدالله و زوجته و طفلاه هم شخصيات خيالية ولاتمت للواقع بأي صلة .. !!؟؟

صراع الحضارات …

تقدم الطفل ذو الملامح الغربية إلى المحاسب في البوفِيْه ، و بدأ حديثه باللهجة الأمريكية :

“Excuse me sir, can I have one French fries, one iced strawberry juice and a bottle of water please!”

ليتبعه مباشرةً طفلٌ آخر يملي طلباته :

“يا محمد .. عطنا واحد همبرجر و واحد بطاط و واحد ببسي ، هاه !!”

كنت أقف خلفهما منتظراً دوري ، بل كنت شاهداً على صراع الحضارات الثقافي أعلاه ، الحضارة الغربية والحضارة الشرقية .. صراعٌ في مخيلتي فجره طفلان لم يبلغا العاشرة من العمر ، و دون حتى أن يشعرا بذلك ..

طرقت برهة من الزمن .. و في رأسي عشرات الأسئلة ، لم أكن أبحث عن إجاباتٍ لها بقدر ما كنت أحاول ترتيب عشوائيتها ، أسئلةٌ يصب بعضها في التربية و بعضها في الدين ، و الآخر في الآداب .

تضمنت كلمات الطفل الغربي عباراتٍ مثل : عفواً .. سيدي .. لو سمحت .. في حين لم يكن من الطفل “ابن البلد” إلا أن بدأ حديثه بِـ “يا محمد” ، قالها كأسلوب نداءٍ رسمي و معتبر ، و أتبع ذلك بأوامر عدةٍ كما لو كان العامل مملوكاً له .

لا زلت أجهل السر وراء استخدام كلمة “محمد” كاسمٍ لكل من هو غير معلومٍ لدينا من العمالة الأجنبية ، مع أن الله سبحانه و تعالى فضل نبيه “محمداً” – صلى الله عليه وآله وسلم – على العالمين ، ولا أظن أن امتهان اسمه بهذا الشكل أمرٌ مقبول ، بل لماذا لا يَعتَبِر كل واحدٍ فينا أن العامل يحمل نفس اسمه هو ، ألن يعتبر ذلك انتقاصاً لذاته ؟؟

ربما من الأجدى لنا إضافة تلك الطريقة في النداء إلى اللغة العربية ، و نخصص استخدامها للمنادى النكرة بالنسبة لنا .. ليس تقليلاً من شأن العامل الأجنبي لا سمح الله ، إنما من باب أنها الطريقة المثلى المزعومة لمناداة أي عامل لا نعرف اسمه ، و من دون الأخذ بعين الاعتبار أصله أو ديانته ..

أسلوب الطفل “ابن البلد” المتسم بالفظاظةِ ، و التي كانت تكفي لزخرفة العبارة أعلاه بعناصر من الرق والعبودية ، فيه من التهجم و التهديد ما يكفي لعقف حاجبي العامل و غضبه من الطفل ، فلم يكن محتوياً حتى على أقل كلمات الطلب شأناً مثل “ممكن” ، و الأدهى من ذلك أن ينهي عبارته بـ “هاه” و التي لم أجد ما يعادلها في اللغة العربية أو حتى في آداب التحدث مع الناس .

شيءٌ يدعو إلى التأمل حقاً ، أن يكون الطفل الغربي أكثر تأدباً من الطفل الشرقي ، و أن يكون أكثر تمسكاً بتلك الآداب حين الحديث مع الأغراب بغض النظر عن وظائفهم .. و أن يكون الطفل الشرقي مثالاً لنقيض ذلك ..

شيءٌ يبعث على الخجل ، أن يكون لدينا القرآن الكريم و سنة نبيه المصطفى – عليه وعلى آله أفضل الصلاة و التسليم – و لا نتذكر قوله تعالى {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (*) ، أن يُبعثَ الرسول – صلوات الله وسلامه عليه – ليتمم مكارم الأخلاق ، ونحن نستمر في الإعراض عن كل ذلك .

قبل سنواتٍ قليلة فقط ، قامت قائمتنا ولم تقعد عندما أساء الغرب لنبينا الكريم ، ولم نحرك ساكنين أمام كل الابتذالات التي تحصل بشكل يومي منا و من غيرنا ، و أعلنا مقاطعة منتجاتهم و لم نفكر في إصلاح نتاجنا الشخصي و الفكري قبل ذلك ، أحرقنا أعلامهم و لم نعتقد بوجوب التخلص من جهلنا أولاً .

وصل دوري بينما كنت غارقاً في خضم كل تلك التساؤلات ، فلمحت الطفل الغربي يأخذ طلبه و يقول :

“Thank you sir.”

وقبل أن أبدأ التفوه بطلبي سمعت الطفل “ابن البلد” يقول :

“وين الكتشب ياخي .. شفيك انت!!”

ارتسمت على شفتي ابتسامة ، ربما لأن لدي طفلاً أبسط حقوقه علي هو زرع مكارم الأخلاق فيه ..

(*) سورة القلم ، آية (4) .

عندما .. يتحول الوهم واقعاً …

“عميلنا العزيز

لأنك من ضمن الملايين الذين اختاروا أفضل شبكة في المملكة والتي تمنحك العديد من الخدمات المميزة والحصرية والمجانية تم اضافة رقمك للسحب على آلاف الهدايا القيمة شهرياً ، سيارات فارهة ، رحلات على طائرة خاصة ، أطقم ألماس ، أجهزة محمول و جوالات و المزيد من الهدايا القيمة ، ،

حياة أسهل .. STC”

لم أستطع تمالك نفسي من الضحك عندما وصلتني الرسالة السابقة على هاتفي النقال ، وصلت إلي هذه الرسالة و أنا في غمرةِ صراعٍ مع شركة الـ STC بسبب خدمة الـ DSL في هاتفي الثابت ، فبعد تقليل السرعة التعسفي الذي فتك بما كانت تدعيه شركة الإتصالات بأنها سرعة 1 ميجا بت في الثانية ، نزلت السرعة إلى الثُمُنِ بمقدار 128 كيلوبت في الثانية ، و لم أجد سبباً لهذا العقاب الذي استمر معي لشهرين متتابعين ..

كنت أتصل بهذه الشركة على الرقم 907 ، بعد كل صلاة و استغفار داعياً الله عز وجل أن أجد مأموراً غير مشغول بخدمة مشتركين آخرين ، بالطبع لم تشأ حكمته عز وجل من تحقيق أمنيتي هذه عند اختيار اللغة العربية ، مما اضطرني لاختيار اللغة الإنجليزية كل مرة ، لإمكانية الرد على مكالمتي خلال الساعة الأولى لانتظاري ، وعند الرد على مكالمتي ، يواجه المأمور صعوبةً في فهم المشكلة قبل أن يبدأ في اقتراح الحلول أو رمي المشكلة على غيرهم إذا لم يكن الإشتراك آفاق شامل ، و رغم ذلك إلا أن تفاني البعض منهم في محاولة إتقان المحادثة بلغة الغرب هو جهدٌ مشكور و محمود ..

في الواقع ، أشعر بأسفٍ كبيرٍ على هؤلاء الموظفين ، الذين فرض عليهم طلب الرزق لقبول المراكز الأمامية في التصدي لقذائف المشتركين المدفعية ، فهم مغلوبون على أمرهم ، يتقبلون شتائم العملاء على مضض ، ربما خوفاً من التفوه بأي كلمة قد تُسمعُ لاحقاً في شريط المكالمات المسجل ، أو على الأقل ما تحاول هذه الشركة إقناعنا به ..

شبح الـ 907 لا ينتهي عند الإنتظار القاتل على الخط طويلاً ، بل يتعدى ذلك إلى القوانين الصارمة التي تلزم الشخص بالإتصال من رقم يحمل إسمه ، لذا على كل متضرر استثمار هاتفه المحمول أينما كان شرط أن يكون الرقمين بنفس الإسم ..

تكلل صبري أخيراً و لله الحمد بقطع خدمة الـ DSL عني نهائياً لأكثر من أسبوعين حتى هذه اللحظة ، أكثر من الشهرين والنصف و أنا أحاول جاهداً الوصول إلى حلٍ معهم ، و في كل مرةٍ أصطاد فيها مأموراً لأخبره بمشكلتي ، يعدني فيها بإرسال فنيٍ خلال ثمانٍ و أربعين ساعة ، فأنتظر دون فائدة ترجى ، فلا الفني يظهر و لا المشكلة تُحل ..

أُعطيتُ مرةً رقماً مجانياً لأتصل عليه في حالةِ عدمِ حل المشكلة ، فهمتُ من المأمور أنه رقمٌ للشكاوي ومتابعة المشكلات ، استبشرت بذلك الرقم ظناً مني أنني اقتربت إلى الهدف ، بل و فرحت عندما أعطاني رقماً للمشكلة لمتابعتها ، خُيِّلَ إلي أن حقي عندها محفوظٌ و غير ضائع ..

كان الرقم المجاني 8002444455 رقماً مميزاً سهل الحفظ ، لكنه صعب المنال في نفس الوقت .. فهذا الرقم الجميل لا يقبل الإتصال من هاتف محمول ، و لا يقبل أي اتصال أيضاً من هاتف مكتبي في الشركة ، لأجد نفسي أمام حلٍ واحد وهو الإتصال من البيت بعد رجوعي من عملي .. حتى ذلك لم يكن متاحاً لي أيضاً ، فقد كنت أبدأ ساعات عملي عند الساعة السابعة صباحاً و أنتهي في الرابعة مساءًا ، ليتنافى ذلك مع ساعات العمل الخاصة بذلك الرقم ، و التي كانت من السابعة إلى الثالثة والنصف على ما أعتقد ..

ربما أكون مغالياً في الحديث عن مشكلتي ، أو قد تكون تافهةً بالمقارنة مع غيرها ، لكنني لم أكتب هذه الكلمات إلا بعد قراءتي لتلك الرسالة أعلاه ..

فهل قمت أنا فعلاً باختيار الـ STC قبل ما يزيد على عشر سنوات عندما اشتريت رقم هاتفي المحمول بمبلغ وقدره في ذلك الوقت ؟

أم هل هي فعلاً أفضل شبكة في المملكة ؟؟

هل قدمت الـ STC خدمات مميزة أو حصرية أو حتى مجانية خلال تاريخها ؟؟

و هل هذا السحب المزعوم مجرد فكرةٍ جديدة لاستغفال زبائن جدد ؟؟

قبل أن أرقص فرحاً بتلك الرسالة ، أريد معرفة من المسؤول عما حصل لخدمة الـ DSL خاصتي ؟ و من سيتحمل نفقات تعويضي عن المبالغ التي أدفعها عن هذه الفترة في ظل عدم وجود الخدمة ؟؟ بل الأهم من ذلك .. من الذي سيكلف نفسه عناء حمل سماعة الهاتف ليسألني ما إذا كانت مشكلتي حُلَّت أم لا ؟؟

هل يستطيع أحدٌ منكم ؟؟ .. أن يعلل التشديد من قبل الـ STC على وجوب شراء المودم الخاص بها و ترك أي نوع آخر في السوق ! و هل يستطيع أحدٌ أن يخبرني ما هو نوع المودم الخاص بهم ؟ و ماهو اسمه ؟؟ بل و من أين جاء ؟؟

و إلى القائمين على شبكة الـ STC ..

نحن لا نريد سحباً على جوائز و لا نريد خدماتٍ مجانيةٍ مزعومة .. ولا نطلب المزيد من الوعود الواهية ..

نريد فقط أن نجد من يسمعنا منكم ، من يتابع مشكلاتنا معكم ، من يهمه فعلاً جودة الخدمة قبل بيعها و قبض ثمنها .. نريد من يثبت أن لنا مع الـ STC حياة أسهل ..

لقد تحول الوهم الإفتراضي الذي رسمته الـ STC إلى واقعٍ في نظرها الشخصي فقط .. لكن الملايين الذين تحدثت عنهم الرسالة ، لا يرون ذلك بكل تأكيد …

نيكون و كانون … والصراع الكبير …

و تستمر نيكون بإمداد عالم التصوير الفوتوغرافي ( الإحترافي و الرقمي ) بمفاجآتها الفائقة التطور ، مستغلةً في ذلك ، التحرك البطيء نسبياً لمنافستها كانون ، و التي اكتفت بإطلاق الـ 1Ds Mark III في العام الماضي كطراز إحترافي من الحجم الكبير بحساس ذو 21 ميجابكسل ، لتُتبِعَهُ في هذا العام بكاميراتها الإحترافية المتوسطة الحجم 5D Mark II و الذي اعتمد على نفس الحساس ذو الـ 21 ميجابكسل .

من جهتها – نيكون ، و التي لم تجد بداً من استغلال الخجل المهيمن على كانون ، لتُتبِعَ كبيرتها الـ D3 ذات الإثني عشر ميجابكسل بطرازين هذا العام ، الأول كان الـ D700 و الذي يعتبر نسخة مطابقة لمواصفات الـ D3 و لكن بحجم أصغر ، أما الثاني فهو الـ D3x و الذي قد يكون دون شك الطراز الأعلى تقنياً من الشركتين و المعتمد على حساس ذو 24.5 ميجابكسل .

ربما يأتي إعلان نيكون عن الـ D3x تابعاً لعوامل أخرى ، و ليس بالضرورة المنافسة المستمرة مع نظيرتها كانون ، بل قد لا يخفى على البعض توقف نيكون على اعتماد حساساتٍ من صنع شركة سوني ، و بدء إنتاج الحساسات الخاصة بها في أسلحتها الفوتوغرافية ، و هذا ما قد يجعل إطلاق الـ D3x مجرد ردٍ على كاميرا سوني α-900 التي طرحت قبل عدة أشهر في الأسواق ، و فاجأت الجميع في استخدامها حساساً ذو 24 ميجابكسل أيضاً .

و بالرغم من توفر عدة شركات في عالم التصوير الفوتوغرافي الإحترافي مثل فوجي و أولمبوس و باناسونيك و سامسونج مؤخراً ، إلا أن الصراع الأزلي بين كانون و نيكون هو ما يسرق الأضواء من تلك الأخريات دائماً .

نيكون لم تتوقف و بالخصوص خلال العامين المنصرمين على إمداد الأسواق بالكاميرات الإحترافية فقط ، بل قامت بإطلاق عدساتٍ جديدة لطالما افتقدها المصورون ضمن عُدَدِهِم ، و أتبعت ذلك أيضاً بتدشين الفلاش الجديد SB-900 و الذي يصل في تغطيته إلى بعد بؤري يبلغ 200mm .

تبقى إشكالية اختيار أيٍ من المدرستين العملاقتين الكانونية أو النيكونية مسألة ارتياحٍ شخصي للمصور الفوتوغرافي ، و قد يذهب البعض إلى غيرهم من المصنعين معتمداً في ذلك على عدة عوامل ، من الممكن أن يكون السعر على رأسها .

مواضيع التصوير الفوتوغرافي من جهة أخرى قد تفرض نفسها وقت الإختيار ، فلطالما كانت كانون صاحبة الألوان الأكثر تشبعاً ، و المتفوقة في حالات الإضاءة الخافتة دون استخدام الفلاش ، بالمقابل نجد أن فوجي تفوقت في توطين حساساتها لإنتاج الألوان الطبيعية للبشرة في تصوير البورتريه .

لكن الأسلحة النيكونية الجديدة – دون شك – قد رمت بكل ثقلها ، و تمكنت من دخول تلك العوالم التي لم تكن تطيق من قبل ، مما يجعلنا نعيد حساباتنا من جديد فيما يخص اختيار العدة المناسبة لمواضيع التصوير .

لغة الحوار (*)

عند الوقوف على عالمنا المعاصر و بالرغم من زيادة الوعي و التعليم فيه مقارنةً بالسنوات الماضية ، نجد أن لغة الحوار بين أفراده أشبه ما تكون مفقودة لسبب أو لآخر ، و هذا بالطبع عند الأخذ بعين الإعتبار كم المواقف التي نعيشها يومياً ، و التي تفرض علينا اتخاذ مقعدنا في الحوار أحياناً .

من تلك المواقف ما يحدث بشكل يومي كحديث الزوج و زوجته ، و الوالدين مع أولادهم ، و الأصدقاء مع بعضهم ، و أيضاً حديث الزملاء في بيئات العمل أو الدراسة .

و قد تمر علينا مواقف أخرى دون أن نعي أنها متضمنة في ذاتها لحوار معين ، لأن بعضنا يفتقر إلى الطريقة السليمة في الحديث مع الآخرين أو حتى الإستماع و الإنصات لهم . و البعض الآخر يحمل في نفسه عنجهيةً و كبرياءً يرميان بثقلها على مائدة الحوار ، و يملك ثقةً زائفةً تُخَيِّل له أنه صاحب الرأي السديد و أن أي رأيٍ مختلفٍ عن رأيه هو أمر غير مقبول في معجمه ، حتى لو لم يكن ذلك الرأي مخالفاً له .

و نتيجةً لذلك المفهوم الخاطئ تتأثر العلاقات العائلية و الإجتماعية و حتى العملية بين الناس ، ليغلب عليها طابعٌ يفتقر إلى المصداقية و يتسم بانعدام الثقة بين أفراده ، مما يسبب بدوره فجوةً يعيشها أفراد المجتمع في قنوات الإتصال بينهم .

لا يمكن لمعظمنا استيعاب هذه الحقيقة لسبب بسيط و هو أنه يعيش يومه لحظةً بلحظة ، دون ان يجعل من بعد النظر أساساً للتفكير في حياته ، وهذا النوع من الناس تجده متخبطاً في مبادءه ، و يغلب على تصرفاته إرتجال المواقف بدلاً من التفكير في عواقبها .

لا يجب أن نُغفِل البيئة التربوية والحياتية التي نشأ فيها الشخص منذ المراحل الأولى لحياته ، فطريقة التفكير و الكلام و الأفعال كلها محكومة غالباً بما اعتاد عليه الشخص في بيئته،و لو أن ذلك قابل للتغيير حسب وعي و إدراك الشخص نفسه مع مرور الزمن.

ثمة ركائز أساسية ينبني عليها الحوار الفعال ، يأتي في مقدمتها فن الإستماع و الإنصات ، فلكي يكون الشخص محاوراً جيداً ينبغي عليه الإصغاء لما يقال و إعطاء الآخرين حقهم في إيضاح وجهات نظرهم المختلفة ، ليتسنى له بعد ذلك تكوين فكرة جيدة لكيفية طرح رأيه ، مما يسهم في رفع مستوى الأريحية بين أطراف الحوار .

فن التحدث يعتبر الركيزة الثانية للحوار الناجح ، فأسلوب طرح الرأي الشخصي من غير تهميش و لا تجريح لأطراف الحوار الأخرى أو شخوصهم هو سبب رئيس لاستمرار أي حوار ، و المتحدث اللبق هو  الذي يجذب انتباه المستمعين له من خلال زرعه للثقة في نفوسهم .

أيضاً من الركائز المهمة الأخذ في عين الإعتبار أن الهدف الأول من وراء الحوار هو تقريب وجهات النظر ، وهذه الركيزة تنتفي للأسف عند نسبة كبيرة من الناس ، و الذي يعتقد بأن التنازل أو الرضى عن وجهات النظر الأخرى صفةٌ للخاسرين و مدعاةٌ للسخرية منه ، بل و يُفضِّلُ أن تأخذه العزة بالإثم دائماً بدلاً من تحكيم عقله في التفكير السليم .

يحمل كل فردٍ منا نسباً متفاوتة من تلك الركائز ، إلا أن الموقف يفرض نفسه في التأثير شبه الكامل على استخدامنا لها ، والأمر يحتاج إلى تطويع النفس على وضع تلك الركائز نصب أعيننا في حواراتنا و تعاملاتنا اليومية ، و هذا ليس بالأمر المستحيل  إن أردنا حقاً حدوثه .

(*) تم نشر المقال في جريدة القافلة الأسبوعية لأرامكو السعودية بتاريخ 8 يناير 2008 .